جيمس زوغبي
في حين يؤكد المدافعون عن نشر الديمقراطية أن انتشارها ضروري لتحقيق السلام، فإن دولتين ديمقراطيتين متحالفتين، هما الولايات المتحدة وإسرائيل، تخوضان حروباً تتفاقم في الواقع بفعل وجود البلدين في خضم استحقاقات انتخابية.
منذ البداية، لم يُنظر إلى الديمقراطية في العقل الأميركي باعتبارها مجرد شكل من أشكال الحكم. فقد أضفى الليبراليون والمحافظون على حد سواء طابعاً مثالياً على مفهوم الديمقراطية، ورفعوه إلى مرتبة تكاد تعادل العقيدة الدينية، مطلقين ادعاءات مبالغاً فيها بشأن الفوائد التي تجنيها المجتمعات الديمقراطية. وقيل لنا إن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً يمكنها الادعاء بأنها أكثر تسامحاً، وأكثر احتراماً لحقوق الأقليات، وأكثر خضوعاً للمساءلة عن أفعالها، وأقل ميلاً إلى إشعال الحروب. وانطلاقاً من هذه العقلية، جعلت إدارات أميركية سابقة عدة نشر الديمقراطية أولوية في سياستها الخارجية، مدعية بجرأة أن ذلك ضروري لتحقيق السلام العالمي.
وبينما تتباهى الولايات المتحدة وبعض حلفائها بهذه السمات، وتفاخر بأن أنظمتها الديمقراطية تضعها في مرتبة أعلى من المجتمعات التي تتبنى أشكالاً أخرى من الحكم، فإن ادعاءاتها بالنقاء والالتزام بالمثل العليا لا تصمد، في الواقع، أمام التدقيق.
لقد كان التناقض الصارخ بين القيم التي تتبناها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية، وبين سلوكها الفعلي، واضحاً منذ تأسيس الولايات المتحدة. ففي نهاية المطاف، بُنيت التجربة الأميركية في الديمقراطية على ظهور العمال المستعبدين، وعلى الإبادة الجماعية للسكان الأصليين لأميركا. وفي وقت أقرب إلى الحاضر، عندما أطلقت إدارة جورج دبليو بوش حملتها لنشر الديمقراطية في أنحاء العالم، فعلت ذلك بينما كانت تتخبط في "حرب اختيارية" مدمرة في العراق، وتمارس تعذيب المعتقلين في "مواقع سوداء" أقنعت دولاً أخرى بإتاحتها لها.
ويمكن قول الشيء نفسه إلى حد كبير عن إسرائيل، التي يصفها الأميركيون بأنها "أقرب حلفائنا" و"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". فمثل الولايات المتحدة، تدعي إسرائيل أن ديمقراطيتها ترفعها فوق جيرانها، وتجعل أفعالها أكثر عدلاً وسلوكها أكثر أخلاقية. وكحال المؤمنين المتعصبين بأي أيديولوجيا، فإنهم عندما يُشار إلى أن الواقع لا يتفق مع ادعاءاتهم، ينكرون ذلك وينتقدون كل من يلفت الانتباه إلى هذا التناقض.
إن حقيقة أن الأنظمة الديمقراطية تجري انتخابات تمنحها سبباً إضافياً للتباهي. لكن، وكما يشاهد بقية العالم ما يجري في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الانتخابات، بدلاً من أن تشكل لحظة للتطهير والتصحيح، كثيراً ما تستخدمها الأطراف المتنافسة لتبرير السلوكيات السيئة وتأجيج التوترات الاجتماعية.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، على سبيل المثال، يحتاج إلى مخرج من حربه مع إيران، التي لا يمكنه تحقيق النصر فيها، ولا سيما بسبب تأثيرها السلبي في الاقتصاد والمستهلكين، وما تسببت به من انعدام للأمن والاستقرار في منطقة الخليج. لكنه لا يرغب في الظهور بمظهر الضعيف من خلال إنهاء الحرب دون أن يتمكن من الادعاء بتحقيق نوع من الانتصار، نظراً إلى التأثير السلبي الذي قد يتركه ذلك في إرثه السياسي وفي قدرته على الاحتفاظ بولاء قاعدته الانتخابية، التي يحتاج إلى مشاركتها في انتخابات تشرين الثاني لتحقيق الفوز للحزب الجمهوري الحاكم. ولهذا يواصل استخدام لغته العدائية وتهديداته تجاه إيران.
وربما افترض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه قادر على إدارة ائتلاف حكومي يضم أحزاباً أكثر تطرفاً من حزبه. لكن شركاءه استخدموا مواقعهم لتأجيج التوترات مع الفلسطينيين، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي المحتلة. وعندما وجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى الموافقة على اتفاقات لوقف إطلاق النار كان من المفترض أن توقف القصف في غزة ولبنان، تبين أن موافقته كانت شكلية لا مضمون لها.
ففي مواجهة انتقادات خصومه، وحتى شركائه في الائتلاف، الذين اتهموه بتعريض أمن إسرائيل للخطر من خلال عدم "إكمال المهمة"، واصلت حكومته انتهاك اتفاقَي وقف إطلاق النار دون أن تتعرض للمساءلة، في حين لم تفعل شيئاً لكبح أعمال العنف الواسعة النطاق في الضفة الغربية، التي يؤججها حلفاؤه السياسيون. وهو يشعر بأنه مضطر إلى اتباع هذا النهج، لأنه لا يستطيع تحمل خسارة أي من شركائه في الحكم، وإلا فسيجد نفسه خارج السلطة.
وخلاصة القول إنه في كلتا الحالتين، وبدلاً من تجسيد القيم التي يُفترض أنها من سمات الديمقراطية، تؤدي هذه الانتخابات عملياً إلى نتائج معاكسة. إذ يصبح الخطاب السياسي أكثر خشونة وانقساماً، وتتفاقم التوترات الاجتماعية، ويجري تشجيع السلوكيات ذات النزعة الحربية.
وما يثير القلق بصورة خاصة هو أنه، في حين يدرك الصحفيون والمعلقون أن كلمات نتنياهو وترامب وأفعالهما تستهدف استرضاء قواعدهما الانتخابية أكثر مما تستجيب للوقائع القائمة في فلسطين أو لبنان أو إيران، فإنهم كثيراً ما يقعون في خطأ الإغفال، ويتعاملون مع الاستعراض السياسي كما لو كان يعكس حقيقة واقعية.
فعلى سبيل المثال، بدلاً من التحلي بالصدق والتعامل مع ادعاءات نتنياهو بشأن ضرورة تدمير قرى في جنوب لبنان بوصفها محاولة لصد اتهامات خصومه له بالضعف، فإنهم ينقلون هذه الادعاءات كما لو أن تسوية قرى لبنانية كاملة بالأرض أمر ضروري لأمن إسرائيل.
هذا هو الحال الذي وصلت إليه دولتان ديمقراطيتان متحالفتان في العالم؛ إذ تعملان على تغذية أسوأ الغرائز لدى الناخبين، ثم تستغلانها، بدلاً من تقديم الحلول وتحدي الناخبين لاتخاذ خيارات أفضل.
* ذا ناشيونال
أضف تعليقاً