أعاد بحث علمي جديد فتح النقاش بشأن مصدر المياه على الأرض، مقدماً تفسيراً محتملاً يفيد بأن جزءاً من مخزون الكوكب المائي ربما تشكّل خلال مراحل نشأته الأولى، نتيجة تفاعلات كيميائية بين الصخور الغنية بالحديد وغاز الهيدروجين، بدلاً من الاعتماد حصراً على المياه التي جلبتها المذنبات والكويكبات من الفضاء.
وبحسب دراسة نُشرت في دورية نيتشر جيوساينس أجرى باحثون تجارب مخبرية أظهرت قدرة الصخور السيليكاتية المحتوية على أكاسيد الحديد على إنتاج بخار الماء عند تعرضها لغاز الهيدروجين في درجات حرارة مرتفعة، ضمن ظروف تحاكي بعض البيئات المحتملة خلال المراحل المبكرة من تشكل الأرض.
تفاعلات كيميائية في الأرض الفتية
تقوم الفرضية على احتمال أن الأرض، خلال نموها قبل نحو 4.5 مليارات سنة، كانت محاطة بغلاف جوي غني بالهيدروجين، مع درجات حرارة مرتفعة ساعدت على حدوث تفاعلات بين الغاز والصخور المتراكمة على الكوكب.
ولاختبار ذلك، سخّن الباحثون عينات صخرية عند درجات حرارة تراوحت بين 1200 و1400 درجة مئوية، وعرّضوها للهيدروجين، ثم قارنوا نتائجها بعينات أخرى عُرّضت لغاز الهيليوم.
وأظهرت التجارب تحول جزء كبير من أكسيد الحديد في بعض العينات إلى حديد فلزي، بالتزامن مع إنتاج بخار الماء، في حين لم يظهر التفاعل نفسه في العينات التي استُخدم فيها الهيليوم.
وتشير النتائج إلى أن الأكسجين الموجود في الصخور يمكن أن يتفاعل مع الهيدروجين المحيط بالكوكب لتكوين الماء، ما يفتح احتمال تشكل جزء من مياه الأرض خلال عملية نشأتها نفسها.
ووفقاً للحسابات النظرية التي أوردها التقرير، قد تسمح بعض الظروف المفترضة بإنتاج كميات كبيرة من الماء، ربما تعادل مئات المحيطات، لكن هذا التقدير لا يعني أن الأرض احتفظت بتلك الكميات أو أن جميعها تحولت إلى مياه سطحية.
هل كانت المذنبات المصدر الرئيسي للمياه؟
لطالما افترض العلماء أن المذنبات والكويكبات أسهمت في نقل المياه إلى الأرض خلال تاريخها المبكر، إلا أن تحديد حجم مساهمتها ما يزال موضع بحث، بسبب الاختلافات في التركيب الكيميائي ونسب نظائر الهيدروجين بين بعض الأجرام السماوية ومياه المحيطات.
ومن الأمثلة على ذلك مذنب هالي، إذ أظهرت قياسات المركبة الفضائية الأوروبية جيوتو عام 1986 أن نسبة الديوتيريوم، وهو نظير ثقيل للهيدروجين، في مياهه أعلى بنحو الضعف من نسبته في مياه محيطات الأرض. وقد أضعف هذا الاختلاف فرضية أن تكون المذنبات المشابهة له المصدر الرئيسي لمياه الكوكب، من دون أن يستبعد مساهمة أجرام أخرى.
كما أشارت أبحاث سابقة، وفقاً للتقرير، إلى احتمال وجود الهيدروجين في المواد الأولية التي تكوّنت منها الأرض، وهو ما يعزز التساؤلات بشأن مقدار الماء الذي ربما تشكّل داخلياً، ومقدار ما وصل لاحقاً من الفضاء.
فرضية جديدة لا تحسم الجدل
على الرغم من أهمية النتائج، فإن الدراسة لا تثبت أن جميع مياه الأرض نشأت بهذه الطريقة، ولا تستبعد دور المذنبات والكويكبات. فما يزال العلماء بحاجة إلى التحقق من مدى توافر الظروف المفترضة في الغلاف الجوي للأرض الفتية، ومدى كفاءة التفاعلات على نطاق كوكبي، فضلاً عن تحديد كمية المياه التي استطاعت الأرض الاحتفاظ بها عبر تاريخها.
وتكمن أهمية البحث في تقديم آلية كيميائية محتملة يمكن أن تفسر كيفية تحوّل الهيدروجين الموجود في البيئة المبكرة للكوكب إلى ماء، بدلاً من افتراض أن المياه وصلت كلها جاهزة من مصادر خارجية.
انعكاسات على البحث عن الحياة خارج الأرض
لا تقتصر أهمية هذه الفرضية على تفسير نشأة محيطات الأرض، بل تمتد إلى دراسة الكواكب الصخرية خارج المجموعة الشمسية. فإذا كان إنتاج الماء ممكناً عبر تفاعلات تحدث أثناء تشكل الكواكب، فقد يكون وجود المياه أكثر شيوعاً مما كان يُعتقد سابقاً.
ومع ذلك، فإن تشكّل الماء لا يعني بالضرورة ظهور محيطات أو نشوء الحياة، إذ يعتمد ذلك على عوامل أخرى، منها قدرة الكوكب على الاحتفاظ بالمياه، ودرجة حرارته، وطبيعة غلافه الجوي، وتاريخه الجيولوجي.
وتعيد النتائج بذلك طرح سؤال أساسي في علوم الكواكب: هل وصلت مياه الأرض من الفضاء وحده، أم أن جزءاً مهماً منها تشكّل داخل البيئة التي نشأ فيها الكوكب؟ وما تزال الإجابة النهائية مرهونة بمزيد من الأبحاث والاختبارات.
أضف تعليقاً