حذرت دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية ترجمتها وكالة النبأ ، من أن تصاعد التحذيرات بشأن المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى أداة تستخدمها الشركات الكبرى للسيطرة على القطاع وتوجيه السياسات التنظيمية بما يخدم مصالحها، مشيرة إلى أن التهويل الإعلامي قد يصرف الانتباه عن المخاطر التقنية والاقتصادية الفعلية.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحث بنيامين باجو، أن حادثة اختراق منصة هاغينغ فيس بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي تابعين لشركة أوبن إيه آي، إلى جانب استقالة أحد مهندسي شركة أنثروبيك وتحذيراته من مخاطر الذكاء الاصطناعي العام، أثارت موجة من المخاوف والدعوات إلى إبطاء تطوير هذه التقنيات أو وقفها مؤقتاً.
وبحسب الدراسة، فإن حادثة الاختراق التي وقعت في تموز 2026 لم تكن بالضرورة دليلاً على امتلاك الذكاء الاصطناعي قدرات مستقلة خارجة عن السيطرة، بل ارتبطت، وفق تحليل الباحث، بخلل في إعدادات الأمان وضعف العزل عن الإنترنت، فضلاً عن قصور في الرقابة البشرية على الأنظمة خلال مرحلة الاختبار.
وأشار التقرير إلى أن تحويل الحادثة إلى قصة عن ذكاء اصطناعي قادر على التصرف بصورة مستقلة قد أسهم في نقل المسؤولية من الشركات المطورة إلى الأنظمة نفسها، رغم أن القرارات المتعلقة بتصميمها وتشغيلها والإشراف عليها تبقى مسؤولية بشرية ومؤسسية.
مخاوف حقيقية وسرديات مثيرة للقلق
وحدد الباحث ثلاثة اتجاهات رئيسية في الخطاب المتعلق بالذكاء الاصطناعي، تتمثل في التركيز على قدراته الهجومية في مجال الأمن السيبراني، والتحذير من احتمال تهديده وجود البشرية، والترويج لقرب ظهور الذكاء الاصطناعي العام القادر على تجاوز القدرات البشرية في مختلف المجالات.
ورغم إقراره بوجود مخاطر حقيقية مرتبطة بالهجمات السيبرانية وسوء استخدام الأنظمة الذكية، أكد التقرير عدم وجود إجماع علمي على احتمال حدوث فقدان شامل للسيطرة على الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن المخاطر الوجودية لا تزال في إطار الاحتمالات النظرية التي تفتقر إلى أدلة كافية لإثبات تحققها.
وشدد على ضرورة تعزيز الاختبارات الأمنية المستقلة، وتطبيق معايير صارمة للعزل الرقمي، وزيادة الرقابة البشرية، بدلاً من الاعتماد على التقييمات التي تجريها الشركات المطورة لنماذجها الخاصة.
التنظيم وسيلة لتعزيز الهيمنة
ولفتت الدراسة إلى أن الدعوات التي تطلقها شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لتنظيم القطاع قد تحمل أهدافاً اقتصادية واستراتيجية، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة مع الشركات الصينية ونماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر.
ووفقاً للباحث، فإن الشركات الكبرى قد تسعى إلى فرض معايير تنظيمية وتقنية تتناسب مع قدراتها المالية والتكنولوجية، بما يؤدي إلى رفع الحواجز أمام دخول الشركات الصغيرة والمنافسين الجدد، وتعزيز سيطرتها على السوق.
كما أشار إلى أن الخطاب المتعلق بالمخاطر الوجودية قد يسهم في إبعاد النقاش العام عن قضايا أكثر إلحاحاً، من بينها تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وانتهاكات حقوق الملكية الفكرية، والأعباء البيئية للبنية التحتية الرقمية، وتزايد نفوذ الشركات التكنولوجية الكبرى.
وخلصت الدراسة إلى أن مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي تتطلب رقابة مستقلة وشفافة، وإشراك الخبراء والجهات التنظيمية بعيداً عن هيمنة الشركات المطورة، مع ضرورة توجيه التطور التكنولوجي نحو تحقيق المصلحة العامة، بدلاً من تركه خاضعاً لمصالح الشركات الكبرى والمنافسة المالية.
س ع
أضف تعليقاً