تبحث الدراسة مستقبل التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة، في ظل تزايد التساؤلات بشأن استمرار مكانة إسرائيل بوصفها حليفاً استثنائياً لواشنطن. فعلى الرغم من أن التطورات التي أعقبت السابع من تشرين الأول 2023 أكدت أهمية الشراكة الأمريكية لأمن إسرائيل، فإن الأسس التي قامت عليها هذه العلاقة تبدو أكثر هشاشة من السابق وفقاً لدراسة بحثية نشرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri) ترجمته وكالة النبأ.
وعلى مدى عقود، استندت العلاقات بين البلدين إلى ثلاثة أركان رئيسية، هي المصالح الاستراتيجية المشتركة، والقيم السياسية المتقاربة، والدعم الواسع لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. غير أن متانة هذه الركائز باتت موضع تساؤل، في ظل الاستقطاب السياسي الأمريكي، وتراجع الدعم غير المشروط لإسرائيل، والتحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وتشير الدراسة إلى أن المخاوف الإسرائيلية لا تقتصر على مواقف الديمقراطيين، بل تمتد إلى مستقبل الحزب الجمهوري بعد دونالد ترامب، ولا سيما تنامي نفوذ التيارات التي تشكك في جدوى الالتزامات الأمريكية الخارجية والتحالف مع إسرائيل. وترى أن التحولات المحتملة داخل الحزب الجمهوري، إذا اقترب من توجهات نائب الرئيس جيه دي فانس، قد تمثل تحدياً بعيد المدى لإسرائيل.
وفي مواجهة هذه التغيرات، تسعى تل أبيب إلى إعادة صياغة خطابها تجاه واشنطن، من خلال تقديم نفسها بوصفها شريكاً استراتيجياً يقدم فوائد ملموسة للمصالح الأمريكية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا الدفاعية والابتكار والتعاون الإقليمي والدولي.
ويتمثل الهدف الإسرائيلي الأساسي في الحفاظ على التعاون العسكري، وضمان التفوق العسكري النوعي، واستمرار الوصول إلى أحدث التقنيات والقدرات الدفاعية الأمريكية. وفي هذا الإطار، تكتسب المفاوضات المتعلقة بتجديد مذكرة التفاهم الأمنية بين البلدين عام 2028 أهمية خاصة، إذ تسعى إسرائيل إلى تعميق التكامل العسكري والصناعي والتكنولوجي، بما يقلل تأثر العلاقة بالتغييرات السياسية في واشنطن.
لكن الدراسة تعرض انتقادات خبراء يرون أن التراجع في متانة العلاقة لا يعود إلى التحولات الأمريكية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالخيارات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية، وبالحرب في غزة، والتداعيات السياسية المرتبطة بالمواجهة مع إيران. كما يشير هؤلاء إلى أن القيمة الاستراتيجية لإسرائيل لم تعد أمراً مسلماً به، وأن النقاش الأمريكي يتجه بصورة متزايدة إلى تقييم التكلفة السياسية للتحالف، وليس فوائده الاستراتيجية فحسب.
وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز التعاون العسكري والتكنولوجي، رغم أهميته، قد لا يكون كافياً لتعويض تراجع الدعم السياسي الأمريكي. كما تثير تساؤلات بشأن اعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة في مجال التسليح والإمدادات والقدرات العملياتية، معتبرة أن العلاقة التي شكلت أحد أهم مصادر قوة إسرائيل قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تعد المساندة الأمريكية التلقائية مضمونة.
تطرح الدراسة تساؤلين أساسيين: ما مستقبل التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة؟ وهل تفقد تل أبيب مكانتها بوصفها حليفاً خاصاً لواشنطن؟
بعد أن ظلت هذه الأسئلة محدودة الحضور في النقاشات الاستراتيجية الإسرائيلية، اكتسبت أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من أن الأحداث التي أعقبت السابع من تشرين الأول 2023 أظهرت مجدداً مدى أهمية الشراكة الأمريكية لأمن إسرائيل، فإن الأسس التي قامت عليها هذه العلاقة تواجه تحديات متنامية.
وعلى مدى عقود، ارتكزت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية على ثلاثة عناصر مترابطة: المصالح الاستراتيجية المشتركة، والقيم السياسية المتقاربة، والدعم الواسع من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. وقد تعزز هذا الدعم، وفقاً للدراسة، بفعل جماعات المصالح المؤيدة لإسرائيل والروابط الوثيقة مع الجالية اليهودية الأمريكية.
ويشار إلى هذا المزيج بمفهوم القيم والمصالح والسياسة، الذي عُدّ سمة مميزة للعلاقة بين البلدين، وميزها عن كثير من الشراكات الأمريكية الأخرى. كما انعكس هذا التوجه في قانون الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لعام 2014، الذي صنّف إسرائيل شريكاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة، وأكد وجود مصالح وقيم مشتركة بين الجانبين، من دون أن ينشئ تحالفاً دفاعياً مشتركاً.
ومع ذلك، باتت الركائز الثلاث موضع تساؤل متزايد. فمنذ عام 2021، بدأ باحثون إسرائيليون وأمريكيون يثيرون الشكوك بشأن استمرار تطابق المصالح بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي الأمريكي، وابتعاد شرائح من المجتمع الأمريكي عن إسرائيل، ولا سيما بين الأجيال الشابة وبعض فئات الناخبين الديمقراطيين.
وترى الدراسة أن الحرب في غزة، والجدل بشأن مسؤولية إسرائيل عن جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران، إلى جانب التحولات الداخلية في السياسة الأمريكية، أسهمت في تسريع تآكل الأسس التقليدية للعلاقة.
وفي هذا السياق، يتزايد القلق داخل إسرائيل بشأن مستقبل العلاقات الثنائية، والحاجة إلى اتخاذ خطوات تضمن استمرارها على المدى البعيد. غير أن الخلاف قائم بشأن طبيعة المشكلة وحجمها، والسبل المناسبة لمعالجتها.
ففي حين ترى دوائر صنع القرار الإسرائيلية، إلى جانب عدد من أبرز شخصيات المعارضة، أن العلاقة تحتاج إلى إعادة ضبط عبر تعزيز بعدها الاستراتيجي، يدعو خبراء آخرون إلى إعادة النظر فيها بصورة أعمق، معتبرين أن بعض التغييرات التي طرأت عليها قد يكون من الصعب التراجع عنها.
وتستند الدراسة إلى مقابلات أُجريت في إسرائيل مطلع حزيران 2026 مع مسؤولين من المؤسسات الأمنية والدبلوماسية، وخبراء في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، ومستشارين مقربين من دوائر صنع القرار وأحزاب المعارضة، فضلاً عن مراجعة أعمال مراكز أبحاث إسرائيلية متخصصة في قضايا الدفاع والأمن.
أبرز المحاور التي تناقشها الدراسة
1. تراجع الدعم الأمريكي التقليدي
لم يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي اتسم تاريخياً بالاستمرارية والتأييد من الحزبين، مضموناً بالدرجة نفسها. وتواجه إسرائيل تحديات مرتبطة بتغير المزاج السياسي الأمريكي، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو في بعض التيارات الجمهورية.
2. إعادة تقديم إسرائيل بوصفها شريكاً استراتيجياً
تسعى إسرائيل إلى تأكيد أهميتها للمصالح الأمريكية، من خلال إبراز دورها في الاستخبارات والتكنولوجيا الدفاعية والابتكار، وقدرتها على الإسهام في تحقيق الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه.
3. التعاون العسكري ومذكرة التفاهم لعام 2028
تولي إسرائيل أهمية كبيرة للحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، وضمان وصولها إلى أحدث الأنظمة والتقنيات الأمريكية. وتُعد المفاوضات المتعلقة بتجديد مذكرة التفاهم الأمنية عام 2028 فرصة لتعميق التعاون العسكري والصناعي والتكنولوجي بين البلدين.
4. أثر الخيارات الإسرائيلية في العلاقة الثنائية
يرى خبراء نقلت عنهم الدراسة أن التغيرات في العلاقة لا ترتبط بالسياسة الأمريكية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالقرارات الإسرائيلية، والحرب في غزة، والتداعيات المرتبطة بالمواجهة مع إيران، وما نتج عن ذلك من تحولات في نظرة قطاعات من الأمريكيين إلى إسرائيل.
5. الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة
تشير الدراسة إلى استمرار اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في مجالات التسليح والإمدادات والقدرات العملياتية، مؤكدة أن الصناعة الدفاعية الإسرائيلية لا تستطيع في المستقبل المنظور أن تحل محل المنظومة العسكرية والصناعية الأمريكية.
الخلاصة
تطرح الدراسة احتمال أن تتحول العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة من مصدر قوة وضمانة استراتيجية إلى مصدر هشاشة، إذا تراجعت قدرة تل أبيب على ضمان استمرار الدعم الأمريكي.
ولا تعني هذه التحولات، بحسب الدراسة، أن إسرائيل فقدت نفوذها في دوائر صنع القرار الأمريكية، لكنها تشير إلى أن الدعم التلقائي، والاستعداد الأمريكي للتدخل في المنطقة، والقدرة على التأثير في ديناميكيات الشرق الأوسط، لم تعد أموراً يمكن افتراض استمرارها دون شروط.
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل التحالف سيعتمد على قدرة الطرفين على التكيف مع التغيرات السياسية والاستراتيجية، وعلى قدرة إسرائيل على إثبات قيمتها للمصالح الأمريكية، مع معالجة التحديات السياسية التي باتت تؤثر في استمرار العلاقة.
أضف تعليقاً