تواجه الدول متوسطة القوة تحديات متزايدة في سباق الذكاء الاصطناعي، في ظل هيمنة الولايات المتحدة والصين على تطوير النماذج المتقدمة والاستثمارات والبنية التحتية الحاسوبية، الأمر الذي يجعل بقية الدول معتمدة إلى حد كبير على قرارات الشركات والحكومات الكبرى للحصول على أحدث التقنيات.
وبحسب تقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي وترجمته وكالة النبأ أشار إلى أن القيود التي فرضتها الحكومة الأمريكية مؤقتاً على وصول بعض الدول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل ميثوس وفيبل التابعين لشركة أنثروبيك، أثارت مخاوف بشأن قدرة الدول الأخرى على الاستفادة من هذه التقنيات، وأظهرت مدى ارتباط الوصول إليها بالاعتبارات السياسية والاستراتيجية الأمريكية.
وأوضح التقرير أن الخيارات المتاحة أمام القوى المتوسطة تختلف بحسب أوضاعها الاقتصادية والتكنولوجية، وسرعة تطور الذكاء الاصطناعي، والفجوة بين النماذج الأكثر تقدماً والبدائل مفتوحة المصدر أو الأقل تكلفة، مبيناً أن هذه العوامل ترسم أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل المنافسة.
أربعة سيناريوهات لمستقبل الذكاء الاصطناعي
يرسم السيناريو الأول ملامح عالم تسيطر فيه مجموعة محدودة من الشركات والدول على أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً، مع اتساع الفجوة بينها وبين بقية المنافسين، ما يمنح الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية في سلاسل توريد أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة نفوذاً أكبر، ويسمح لها بالتفاوض للحصول على فرص أوسع للوصول إلى التقنيات الحديثة.
أما السيناريو الثاني، فيفترض استمرار التقدم السريع مع تراجع الفجوة بين النماذج المتقدمة والبدائل الأخرى، بحيث يصبح الوصول إلى التكنولوجيا أقل صعوبة، فيما تنتقل المنافسة إلى قدرة الدول والمؤسسات على توظيف الذكاء الاصطناعي وإعادة تنظيم قطاعاتها الاقتصادية والإنتاجية للاستفادة منه.
وفي السيناريو الثالث، يتباطأ تطور الذكاء الاصطناعي وتتقلص الفجوة بين النماذج المتقدمة والبدائل المتاحة، ما يتيح للدول تطوير نماذج وطنية تتناسب مع لغاتها واحتياجاتها المحلية، والاستفادة من المصادر المفتوحة والشركات المحلية في بناء تطبيقات متخصصة.
بينما يفترض السيناريو الرابع تباطؤ التقدم مع استمرار احتفاظ الشركات الرائدة بتفوقها التقني، الأمر الذي يجعل الوصول إلى أفضل النماذج محدوداً، ويدفع الدول إلى التركيز على تعزيز قدراتها في استخدام التكنولوجيا وتطوير الخدمات المرتبطة بها، بدلاً من إنفاق موارد كبيرة على محاولة منافسة الشركات الكبرى في بناء نماذج متقدمة من الصفر.
نقاط القوة ومصادر النفوذ
ويشير التقرير أن امتلاك مواقع مؤثرة في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم مصادر القوة بالنسبة للدول المتوسطة، سواء من خلال صناعة أشباه الموصلات أو معدات تصنيعها أو توفير الطاقة والحوسبة اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة.
ويشير إلى تجارب دول مثل ألمانيا واليابان وهولندا وكوريا الجنوبية وتايوان، التي تمتلك مواقع مهمة في الصناعات المرتبطة بأشباه الموصلات، فضلاً عن إمكانية استفادة دول أخرى مثل أستراليا وفرنسا والهند وماليزيا والإمارات العربية المتحدة من قدراتها في مجال الطاقة واستضافة مراكز البيانات والحوسبة.
كما يؤكد أهمية الاستثمار في الكفاءات البشرية والتعليم واستقطاب أصحاب المهارات العالية، إلى جانب تشجيع الشركات الناشئة وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستخدام التقنيات الحديثة، إذ إن امتلاك النماذج المتقدمة وحده لا يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية ما لم تتمكن المؤسسات من دمجها في أنشطتها وعملياتها.
محدودية النماذج السيادية
وفي ما يتعلق بمساعي بعض الدول لبناء نماذج ذكاء اصطناعي سيادية، يحذر التقرير من أن محاولة منافسة الشركات الأمريكية والصينية في تطوير أنظمة متقدمة من الصفر قد تكون مكلفة وصعبة، خصوصاً في حال اتساع الفجوة التقنية وارتفاع متطلبات الحوسبة والخبرات المتخصصة.
ويستشهد بتجربة الإمارات العربية المتحدة، التي سعت إلى تطوير نماذج محلية مثل فالكون، إلا أن تسارع المنافسة العالمية جعل شركاتها تواجه صعوبة في مواكبة الشركات الرائدة، مشيراً إلى أن النماذج المحلية المتخصصة، ولا سيما المصممة للغات واستخدامات محددة، يمكن أن تسهم في جذب المواهب وتعزيز انتشار التكنولوجيا، لكنها لا تعوض بالضرورة محدودية الوصول إلى أحدث التقنيات.
الشراكات بدلاً من الاكتفاء الذاتي
ويخلص التقرير إلى أن أفضل استراتيجية أمام القوى المتوسطة لا تقوم على محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الذكاء الاصطناعي، بل على بناء شراكات ذكية مع الشركات والدول الرائدة، والاستفادة من خبراتها وتقنياتها، بالتوازي مع تعزيز المواقع الاقتصادية والصناعية التي تمنحها قدرة تفاوضية أكبر.
ويؤكد أن الحكومات لا تستطيع التحكم في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي أو حجم الفجوة بين الدول المتقدمة وبقية المنافسين، لكنها تستطيع التأثير في موقعها ضمن سلاسل التوريد، وتطوير قدراتها البشرية، وتسريع تبني التكنولوجيا، وبناء علاقات تعاون تضمن لها الاستفادة من التحولات المقبلة.
وبحسب التقرير، فإن انتظار اتضاح مستقبل المنافسة بالكامل قد يؤدي إلى خسارة فرص مهمة، في حين أن التحرك المبكر وتنويع مصادر القوة والاستثمار في الشراكات يمثل مساراً مهماً أمام الدول المتوسطة للحفاظ على حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي.
س ع
أضف تعليقاً