لم تعد تداعيات موجات الحر القياسية تقتصر على الإجهاد الحراري أو المخاطر المباشرة خلال ساعات النهار، إذ يكشف خبراء أن ارتفاع درجات الحرارة ليلاً بات يهدد أحد أهم عناصر صحة الإنسان: النوم، مع تأثيرات تمتد إلى الصحة الجسدية والعقلية والإنتاجية.
وخلال موجات الحر التي شهدتها مناطق واسعة من أوروبا والعالم العربي في صيف 2026، واجه ملايين الأشخاص صعوبة في الحصول على نوم كافٍ، بعدما أدت درجات الحرارة المرتفعة ليلاً إلى اضطراب دورة النوم الطبيعية.
ووفقاً لدراسة عالمية نُشرت في يوليو/تموز 2026، اعتمدت على تحليل بيانات أكثر من 165 مليون ليلة نوم لنحو 318 ألف مستخدم لأجهزة تتبع النوم القابلة للارتداء، فإن ارتفاع درجات الحرارة الليلية من نحو 12 درجة مئوية إلى 27 درجة مئوية يرفع احتمال نوم الأشخاص لأقل من ست ساعات بنسبة تصل إلى 40 بالمئة.
وأوضحت الدراسة أن تأثير ارتفاع الحرارة على النوم أصبح من التداعيات اليومية لتغير المناخ، خصوصاً مع تزايد عدد الليالي الحارة في مناطق مختلفة من العالم.
تغير المناخ يبدل شكل الليل
وتشير منظمة إسناد الطقس العالمية (World Weather Attribution)، وهي هيئة علمية متخصصة في دراسة العلاقة بين تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، إلى أن الظروف الليلية شديدة الحرارة أصبحت أكثر احتمالاً بسبب الاحترار العالمي الناتج بشكل أساسي عن الأنشطة البشرية وحرق الوقود الأحفوري.
ويرى الباحثون أن ارتفاع درجات الحرارة ليلاً يمثل تأثيراً مناخياً مختلفاً عن الكوارث التقليدية، لأنه لا يظهر في صورة حدث واحد واضح، بل يتراكم تدريجياً عبر فقدان ساعات النوم ليلة بعد أخرى.
وقالت الباحثة في علم الأوبئة البيئية بجامعة كامبريدج كيم فان دالين، المشاركة في إعداد دراسة بعنوان "فقدان النوم في عالم يزداد سخونة"، إن اضطراب النوم المرتبط بالحرارة "يتراكم بهدوء"، ما يجعله أقل ظهوراً في التغطية الإعلامية مقارنة بالوفيات أو الأضرار المباشرة الناتجة عن موجات الحر.
النوم خط دفاع أساسي للجسم
ويحذر العلماء من أن قلة النوم لا تؤثر فقط على التركيز والمزاج، بل ترتبط بمخاطر صحية طويلة الأمد.
وقال الباحث تاي فيرغسون من جامعة أديلايد الأسترالية، إن الإنسان لا يستطيع الحفاظ على الأداء الإدراكي والذاكرة والتوازن العاطفي عند انخفاض ساعات النوم عن المستويات الصحية، مشيراً إلى ارتباط اضطراب النوم بزيادة مخاطر الإصابة بالسكري والاكتئاب وأمراض القلب والسمنة.
من جانبه، أوضح الباحث بوين تشو من كلية العلوم الجوية في جامعة نانجينغ الصينية أن النوم يمثل حاجة فسيولوجية أساسية للمناعة والصحة العقلية، محذراً من أن فقدان النوم المرتبط بارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وضعف القدرة على التعلم، وزيادة الأعباء الصحية على المجتمعات.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
ولا تتوزع آثار الحرارة الليلية بشكل متساوٍ بين السكان، إذ يواجه أصحاب الدخل المحدود مخاطر أكبر بسبب ضعف القدرة على استخدام أجهزة التبريد أو السكن في منازل تفتقر إلى العزل والتهوية المناسبة.
وأشار كيلتون مينور، الأستاذ المشارك في جامعة كوبنهاغن، إلى أن الأشخاص الذين لا يملكون وسائل تبريد كافية، بينهم كبار السن وبعض الفئات الهشة، معرضون بشكل أكبر لتداعيات ارتفاع الحرارة أثناء الليل.
وأضاف أن تأثيرات فقدان النوم قد تمتد إلى الأطفال، من خلال صعوبة التركيز والتعلم، وإلى العاملين عبر انخفاض القدرة على الإنتاج وزيادة مخاطر الحوادث.
العالم العربي أمام تحدٍ متزايد
وتواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة، حيث تشهد دول مثل العراق والسعودية والإمارات ومصر موجات حر متكررة ودرجات حرارة قياسية.
ويرى خبراء أن ارتفاع الحرارة ليلاً يمثل تحدياً إضافياً للمنطقة، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على الطاقة للتبريد، وتفاوت قدرة السكان على الوصول إلى وسائل التكييف، ما يزيد من تعرض الفئات الأقل دخلاً لتأثيرات فقدان النوم.
حلول للتكيف مع الليالي الأكثر حرارة
ويؤكد الباحثون أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب إجراءات فردية ومجتمعية، تشمل تحسين الوصول إلى أجهزة التبريد، واستخدام مواد بناء عازلة للحرارة، وزيادة المساحات الخضراء في المدن، واعتماد تصاميم تساعد على التهوية الطبيعية.
كما يوصي الخبراء بتعديل أوقات العمل خلال موجات الحر الشديدة، لتقليل التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة والحفاظ على فترات نوم أكثر انتظاماً. ويشير العلماء إلى أن خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري يمثل الحل الأساسي على المدى الطويل، لكن التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة سيبقى ضرورة مستمرة خلال العقود المقبلة.
م.ال
أضف تعليقاً