عاد نظام إجازات الوالدين في بريطانيا إلى دائرة الجدل، بعدما طالبت 48 منظمة، بينها جمعيات ونقابات ومؤسسات أكاديمية، الحكومة بإصلاحه وجعل تكوين الأسرة أكثر قابلية للتحمل مالياً. ويأتي هذا الضغط في وقت تتراجع فيه معدلات الإنجاب، فيما تكشف شهادات خبراء تحدثوا إلى "العربي الجديد" أن المشكلة لا تتعلق فقط بقيمة الإجازة، بل بالطريقة التي يدفع بها النظام الأسرة عملياً نحو تقسيم تقليدي للأدوار: الأب أقرب إلى سوق العمل، والأم إلى الرعاية.
ويصف نائب الرئيس التنفيذي لمعهد الأبوة جيريمي ديفيس النظام البريطاني بأنه شديد التمييز جندرياً، معتبراً أن الفارق الكبير بين الحقوق الممنوحة للأم والأب يساعد على ترسيخ نموذج تصبح فيه المرأة المسؤولة الأساسية عن رعاية الطفل، فيما يتعزز دور الرجل بوصفه المعيل الرئيسي للأسرة.
وقال ديفيس في حديث لوسائل الاعلام البريطانية إن المستوى الحالي لبدل الأبوة يجعل أخذ الإجازة "غير واقعي مالياً بالنسبة إلى كثير من الآباء"، مضيفاً أن بعضهم يلجأ إلى استخدام إجازته السنوية المدفوعة كي يتمكن من البقاء مع الطفل خلال الأسابيع الأولى.
وتبدو الفجوة أوضح في تجربة كارلوس، وهو أب لطفلة في الثالثة من عمرها، يعمل بدوام كامل في بريطانيا لدى شركة الطاقة الألمانية "آر دبليو إي"، ورُزق بطفله الثاني في أغسطس/آب الماضي. وقال كارلوس لـ"العربي الجديد" إنه حصل بعد الولادة على 12 أسبوعاً من الإجازة مدفوعة بالكامل، مع استمرار تراكم رصيد إجازته السنوية، بموجب سياسة الشركة، موضحاً أنه لو اعتمد فقط على الاستحقاق القانوني البريطاني لما حصل سوى على أسبوعين حداً أقصى، مضيفاً أن الإجازة الأطول أتاحت له المشاركة بدرجة أكبر في رعاية مولوده وبناء علاقة معه منذ الأيام الأولى، كما كانت مهمة لمساندة الأم خلال تعافيها بعد الولادة القيصرية.
وفي بريطانيا، يحق للأب العامل بإجازة تصل إلى أسبوعين فقط، مقابل إجازة أمومة تصل إلى 52 أسبوعاً. ويرى ديفيس أن هذه الفجوة تدفع كثيراً من الأسر عملياً نحو نموذج يبقى فيه الأب في العمل وتتولى الأم الجزء الأكبر من الرعاية.
المساواة تتوقف عند الولادة في بريطانيا
وتقول الباحثة في مركز الدراسات الطولية بجامعة كوليدج لندن ألينا بيليخ إن الأسر لا تسأل فقط: "هل نستطيع تحمّل كلفة رعاية الأطفال؟"، بل تفكر أيضاً في ما سيعنيه إنجاب طفل لدخل الأسرة والمسار المهني لأحد الوالدين أو كليهما في السنوات التالية. وبحسب بيليخ، تدخل الأجور والأمان الوظيفي وكلفة السكن والمعيشة والحصول على إجازات الوالدين والقدرة على الجمع بين العمل والرعاية كلها في هذه المعادلة. وترى الباحثة أن إجازة أطول ومدفوعة بصورة أفضل للآباء يمكن أن تساعد على توزيع الرعاية بصورة أكثر مساواة منذ البداية، فيما قد يؤدي استمرار الأمهات في أخذ فترات أطول بكثير بعيداً عن العمل إلى فروقات في ساعات العمل والأجور وفرص التقدم المهني. وتضيف أن الرعاية الميسورة الكلفة، والإجازة المدفوعة بصورة مناسبة، والأمان الوظيفي والعمل المرن، يجب التعامل معها بوصفها عناصر مترابطة تحدد ليس فقط كلفة رعاية الطفل المباشرة، بل أيضاً تداعيات الإنجاب الاقتصادية طويلة المدى، "وخصوصاً بالنسبة إلى الأمهات".
وتظهر المفارقة في دراسة حديثة لمعهد الأبوة بعنوان "The Big Squeeze"، إذ وجدت أنه إذا أخذ الوالدان أقصى ما يسمح به النظام الحالي من الإجازات، ينخفض الدخل المشترك لزوجين يتقاضيان متوسط الأجور بنحو 34% خلال السنة الأولى، ونحو 30% لدى زوجين يعملان مقابل الحد الأدنى الوطني للأجر. وتشير الدراسة إلى أن العبء لا يتوزع بالتساوي، إذ تخسر الأمهات جزءاً أكبر من دخلهن، فيما تكون خسارة الأب أقل لأن النظام يمنحه فترة أقصر مدفوعة بعيداً عن العمل، ما يخلق "حافزاً مالياً قوياً" لبقائه في العمل وتولي الأم الجزء الأكبر من الرعاية.
ويحق للأبوين نظرياً تقاسم جزء من الإجازة عبر نظام "إجازة الوالدين المشتركة"، الذي يسمح بتقاسم ما يصل إلى 50 أسبوعاً من الإجازة و37 أسبوعاً من الأجر المتبقي، إلا أن بدلها لا يتجاوز 194.32 جنيهاً إسترلينياً أسبوعياً أو 90% من الأجر إذا كان أقل، ما يعني أن وجود الحق القانوني لا يجعل استخدامه ممكناً مالياً لكل الأسر. ويقترح "معهد الأبوة" منح الآباء ستة أسابيع من الإجازة المدفوعة بصورة أفضل خلال السنة الأولى، بينها "شهر للأب" يتولى خلاله المسؤولية الأساسية عن رعاية الطفل، بهدف منحه دوراً مستقلاً في الرعاية لا مجرد موقع المساعد. وقد شهد النظام البريطاني تعديلاً هذا العام، إذ أصبحت إجازة الأبوة منذ إبريل/نيسان 2026 حقاً من اليوم الأول في الوظيفة، لكن شروط الحصول على بدلها المالي بقيت أكثر تقييداً.
ويأتي الجدل فيما يتراجع الإنجاب في إنكلترا وويلز، إذ سجل عام 2025 نحو 585 ألف مولود، بانخفاض 1.6% عن العام السابق، فيما بلغ معدل الخصوبة 1.39 طفل لكل امرأة وفق التقديرات المؤقتة، مع ارتفاع متوسط عمر الأم عند الإنجاب إلى 31.1 عاماً. ولا يمكن تفسير تراجع الإنجاب بإجازات الوالدين وحدها، إذ تتداخل معه كلفة السكن والمعيشة ورعاية الأطفال وتحولات اجتماعية أوسع. لكن المفارقة التي تكشفها هذه الشهادات واضحة: بريطانيا تملك منظومة واسعة من قوانين المساواة، فيما قد تعيد ولادة طفل عملياً إنتاج تقسيم جندري تقليدي داخل الأسرة.
س ع
أضف تعليقاً