حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة من اشتداد ظاهرة النينيو خلال الأشهر المقبلة، وسط توقعات بأن تكون من أقوى الظواهر المسجلة منذ بدء رصدها قبل نحو أربعة عقود، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثيراتها على درجات الحرارة والأمطار والموارد المائية والأمن الغذائي حول العالم.
وقالت الأمينة العامة للمنظمة سيليست ساولو إن" استمرار المسار الحالي قد يجعل الظاهرة أقوى من أي ظاهرة مماثلة شهدتها سجلات الرصد، مشيرة إلى أن النينيو تؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار، وقد تمتد تأثيراتها إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن المحيط الهادئ الاستوائي".
وتحدث ظاهرة النينيو عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر بين تسعة و12 شهراً، إلا أن شدتها تختلف من دورة إلى أخرى، وقد تؤدي خلال فترات نشاطها القوي إلى موجات حر وجفاف في بعض المناطق، مقابل ارتفاع معدلات الأمطار والسيول والفيضانات في مناطق أخرى.
تأثيرات محتملة على المنطقة العربية
ويرى علماء أن تأثيرات النينيو لا تقتصر على المحيط الهادئ، إذ يمكن للتغيرات في حرارة المياه أن تؤثر في حركة الغلاف الجوي وأنماط الرطوبة وهطول الأمطار في مناطق بعيدة.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، تشير التقديرات المناخية إلى احتمال تسجيل ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في حين قد تميل مناطق من شمال أفريقيا إلى ظروف أكثر جفافاً.
وأكد مختصون أن هذه التوقعات لا تمثل نتائج حتمية، إذ تتداخل ظاهرة النينيو مع عوامل مناخية أخرى يمكن أن تعزز تأثيراتها أو تحد منها، كما تختلف تداعياتها من منطقة إلى أخرى وفق الموقع الجغرافي وطبيعة التضاريس.
وتزداد المخاوف من مخاطر السيول والفيضانات المفاجئة في المناطق التي تشهد أمطاراً غزيرة خلال فترات قصيرة، خصوصاً في المناطق الجبلية والأودية والمنخفضات، فيما قد تواجه مناطق أخرى موجات جفاف وارتفاعاً في درجات الحرارة.
الزراعة والمياه في دائرة الخطر
وتعد الزراعة من أكثر القطاعات عرضة لتداعيات النينيو، نظراً لاعتماد المحاصيل على درجات حرارة مناسبة ومعدلات مستقرة من الأمطار والرطوبة.
وقد يؤدي اضطراب المواسم الزراعية وتراجع الإنتاج في بعض المناطق إلى زيادة الضغوط على أسعار المواد الغذائية، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة.
كما تمثل المياه تحدياً رئيسياً للمنطقة العربية، التي تعاني أساساً من مستويات مرتفعة من شح المياه، ما يجعل أي تغير كبير في أنماط الأمطار أو ارتفاع في درجات الحرارة عاملاً إضافياً للضغط على الموارد المائية.
ولا تقتصر التأثيرات المحتملة على الزراعة والمياه، إذ يمكن للظواهر الجوية المتطرفة أن تؤثر أيضاً في النقل البحري وسلاسل الإمداد، خصوصاً مع ارتفاع الأمواج وشدة العواصف والأمطار في بعض المناطق.
تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية
وحذر الخبراء من أن تزامن ظاهرة مناخية قوية مع اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية قد يزيد من المخاطر الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء والطاقة.
وقد يؤدي نقص المياه والغذاء في المناطق المتضررة إلى زيادة الضغوط الاجتماعية، وربما تصاعد التوترات المحلية المرتبطة بالموارد، فضلاً عن تعرض البنية التحتية لمخاطر أكبر بسبب موجات الحر والفيضانات المفاجئة.
كما يمكن أن تمتد التداعيات إلى الأسواق العالمية، إذ إن تغير الإنتاج الزراعي وأسعار الأعلاف والطاقة والأسمدة قد ينعكس على أسعار الغذاء في مناطق بعيدة عن المناطق المتأثرة مباشرة بالظاهرة.
دعوات إلى الاستعداد المبكر
ودعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية السلطات المعنية بإدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، ومنها الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، إلى اتخاذ إجراءات استباقية والاستعداد للظروف المناخية المتوقعة.
ويؤكد خبراء أن مواجهة تداعيات النينيو تتطلب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ورفع جاهزية البنية التحتية للتعامل مع الفيضانات والسيول، وتحسين إدارة الموارد المائية، إلى جانب دعم الزراعة المستدامة وتأمين مصادر بديلة للغذاء.
كما تبرز الحاجة إلى زيادة الاستثمارات في تحلية المياه والطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، ووضع خطط للتعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد والأسعار.
وتشير التحذيرات المناخية إلى أن قوة ظاهرة النينيو المرتقبة قد تفرض اختباراً صعباً على قدرة الدول، ولا سيما في المناطق الأكثر هشاشة مناخياً، على الاستجابة المبكرة للفيضانات والجفاف وموجات الحر والتقلبات الحادة في الموارد الغذائية والمائية.
س ع
أضف تعليقاً