قد تبدو مرحلة منتصف العمر، التي تمتد تقريباً بين سن الأربعين والستين، فترة عادية من حياة الإنسان، لكنها في الواقع قد تكون من أكثر المراحل تأثيراً في صحته خلال العقود التالية.
فالكثير من الأمراض التي ترتبط بالتقدم في العمر، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان والخرف، قد تبدأ عوامل الخطر المرتبطة بها في الظهور خلال منتصف العمر. ولهذا يرى خبراء أن الاهتمام بالصحة في هذه المرحلة لا ينبغي أن ينتظر ظهور المشكلات، بل يبدأ بالوقاية في وقت مبكر.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" وترجمته "وكالة النبأ الخبرية"، فإن العادات الصحية لا تغير مسار العمر خلال أسابيع قليلة، وإنما تحتاج إلى الاستمرار لسنوات حتى تظهر آثارها على الصحة وطول العمر.
وقالت مارجي لاكمان، أستاذة علم النفس في جامعة برانديز، إن منتصف العمر هو الوقت المثالي لإجراء تغييرات صحية يستفيد منها الإنسان في حاضره ومستقبله، مضيفة: "ما يحدث في منتصف العمر لا يبقى في منتصف العمر".
وفيما يلي تسع عادات يوصي بها الخبراء:
1. اجعل التمارين المتقطعة جزءاً من نشاطك
تعد اللياقة القلبية التنفسية من أفضل المؤشرات على قدرة الإنسان على الحفاظ على نشاطه وحركته مع التقدم في العمر.
وقال غيليم غونزاليس-لوماس، الأستاذ المشارك في جراحة العظام بكلية غروسمان للطب في جامعة نيويورك، إن أحد الأساليب التي يمكن أن تساعد في تحسين هذه اللياقة هو التدريب المتقطع عدة مرات أسبوعياً.
وبدلاً من
المشي أو ركوب الدراجة لمدة 30 دقيقة بالسرعة نفسها، يمكن تجربة التناوب بين الجري
السريع لمدة 30 ثانية والراحة لمدة 30 ثانية، وتكرار ذلك عشر مرات.
وهذا النوع
من التدريب يستغرق وقتاً أقصر، لكنه أكثر شدة، لأن الاستفادة الأكبر تتطلب دفع
الجسم إلى مستوى مرتفع من الجهد.
2. لا تنجز مشاويرك وحدك دائماً
الصحة لا ترتبط بالنشاط البدني والطعام فقط، فالعلاقات الاجتماعية لها دور مهم أيضاً في الصحة والعافية على المدى الطويل.
وقال إزيكيل إيمانويل، أستاذ الأخلاقيات الطبية والسياسة الصحية في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، إن الناس لا ينظرون عادةً إلى التواصل الاجتماعي باعتباره وسيلة لتحسين الصحة، رغم أنه قد يكون من أهم الوسائل.
ومع ضيق الوقت في منتصف العمر بسبب العمل والأسرة والالتزامات اليومية، يمكن الجمع بين الأمرين.
فبدلاً من تخصيص وقت منفصل للرياضة ووقت آخر للقاء الأصدقاء، يمكن مثلاً الخروج للمشي مع صديق، أو ممارسة الرياضة سوياً، أو حتى الذهاب معاً لشراء حاجيات المنزل.
وهكذا يتحول الوقت الذي تقضيه مع الآخرين إلى فرصة للحركة والتواصل في آن واحد.
3. أضف الأطعمة المخمرة إلى مائدتك
عند التفكير في صحة الجسم، لا ينبغي إغفال مليارات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخله، والمعروفة باسم الميكروبيوم.
وقال جون بيرد، أستاذ الشيخوخة الصحية في كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا، إن صحة ميكروبيوم الأمعاء ترتبط بالتقدم الصحي في العمر.
ويرتبط ميكروبيوم الأمعاء بجهاز المناعة ويساعد في تنظيم الالتهابات داخل الجسم، وهي عوامل ترتبط بالعديد من الأمراض التي تظهر مع التقدم في السن.
ولا تزال الأبحاث في هذا المجال أولية، لكن الخبراء بدأوا ينظرون إلى الأطعمة المخمرة باعتبارها إحدى الطرق التي يمكن من خلالها دعم الميكروبيوم، لأنها تضيف كائنات دقيقة مفيدة إلى النظام الغذائي.
ومن الخيارات التي يمكن تناولها الزبادي، والكيمتشي، والكفير، ومخلل الملفوف، والكومبوتشا.
4. لا تجعل تمارين القوة حكراً على الشباب
مع أهمية التمارين الهوائية، تتزايد الأدلة على أن قوة العضلات لا تقل أهمية عنها عندما يتعلق الأمر بالصحة وطول العمر.
فالعضلات القوية ترتبط بزيادة فرص العيش لفترة أطول والحفاظ على الاستقلالية في سن متقدمة، بينما يؤدي فقدان الكثير من الكتلة العضلية إلى زيادة خطر الضعف الجسدي.
كما أن تمارين المقاومة لا تساعد فقط على تقوية العضلات، بل تؤدي العضلات أثناء التدريب إلى إفراز جزيئات تعرف باسم الميوكينات، يساعد بعضها على تقليل الالتهابات في الجسم.
وبالنسبة لمن اعتادوا على تمارين الأوزان، ينصح غونزاليس-لوماس بعدم الخوف من تحدي العضلات بأوزان أثقل.
أما من يبدأ ممارسة تمارين المقاومة للمرة الأولى، فإن أي تمرين يعتمد على المقاومة يمكن أن يحدث فرقاً.
والهدف هو الوصول إلى مرحلة تشعر فيها بأن العضلات تعمل تحت ضغط وتبدأ في التعب.
5. اجعل البروتين حاضراً في وجباتك
يبدأ فقدان الكتلة العضلية لدى الإنسان منذ الثلاثينيات من العمر، ثم تتسارع هذه العملية في الستينيات.
ويمكن الحصول على كمية كافية من البروتين، إلى جانب ممارسة تمارين المقاومة، أن يساعد في الحد من فقدان العضلات.
لكن ذلك لا يعني ضرورة الإفراط في تناول البروتين.
وقالت إلينا فولبي، مديرة معهد دراسات طول العمر والشيخوخة في جامعة تكساس للصحة والعلوم في سان أنطونيو، إن المعدل العام البالغ 0.8 إلى 1.2 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً يعد كافياً.
وبالنسبة إلى شخص يزن 150 رطلاً، أي نحو 68 كيلوغراماً، تعادل هذه الكمية تقريباً 54 إلى 81 غراماً من البروتين يومياً.
6. اختر الدرج عندما تستطيع
لا يحتاج الإنسان إلى ممارسة الرياضة داخل صالة رياضية حتى يحافظ على مستوى جيد من النشاط.
ويرى الخبراء أن إدخال الحركة في تفاصيل اليوم العادية يمكن أن يكون مهماً أيضاً.
اصعد الدرج بدلاً من المصعد، وامشِ إلى المكان القريب بدلاً من استخدام السيارة، وإذا اضطررت إلى القيادة، أوقف سيارتك في مكان أبعد قليلاً عن وجهتك.
وقالت فولبي إنها تفضل تسمية ذلك "النشاط البدني" بدلاً من "التمرين".
وأظهرت دراسات عدة أن الوصول إلى نحو 7 آلاف خطوة يومياً يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة والأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
وقد تبدو الخطوات الإضافية بسيطة، لكنها تتراكم مع مرور الأيام والسنوات.
7. لا تهمل لقاح الحزام النار
تشير أدلة متزايدة إلى أن اللقاح المستخدم للوقاية من الحزام الناري قد تكون له فائدة أخرى تتعلق بصحة الدماغ.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، يمكن أن يرتبط اللقاح بانخفاض خطر التدهور المعرفي بنحو 20 بالمائة.
كما قد توفر لقاحات أخرى، مثل لقاحات الإنفلونزا والمكورات الرئوية ولقاح "Tdap"، بعض الفوائد الإضافية.
ولا يعرف العلماء حتى الآن السبب الدقيق لهذا الارتباط، لكن إحدى الفرضيات تفترض أن الوقاية من العدوى قد تحمي الجسم والدماغ من بعض مصادر الالتهاب الرئيسية.
8. اسأل عائلتك: ما الأمراض التي تتكرر بين أفرادها؟
لا تحدد العادات اليومية وحدها احتمالات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر، فالوراثة تؤدي دوراً أيضاً.
ولهذا تنصح فولبي بمعرفة الأمراض المزمنة التي ظهرت لدى الوالدين أو أفراد العائلة، ثم مناقشة هذه المعلومات مع الطبيب.
والفكرة ليست القلق من التاريخ المرضي للعائلة، وإنما معرفة المخاطر المحتملة مبكراً.
ويمكن سؤال الطبيب عن العلامات والأعراض التي ينبغي مراقبتها، وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من المخاطر الصحية مستقبلاً.
9. اجعل موعد نومك منتظماً
يرتبط قلة النوم بعدد من المشكلات الصحية، بينها السمنة والسكري وأمراض القلب والخرف، كما ترتبط بقصر العمر.
وقد تبدو النصيحة بالحصول على سبع إلى ثماني ساعات من النوم يومياً سهلة، لكن الالتزام بها ليس دائماً أمراً بسيطاً.
ولهذا يركز الخبراء على نقطة أخرى مهمة: انتظام النوم.
فمن الأفضل محاولة الذهاب إلى النوم والاستيقاظ في أوقات متقاربة كل يوم، بدلاً من تغيير مواعيد النوم باستمرار.
وأشارت دراسة أجريت عام 2024 إلى أن انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ كان مؤشراً أقوى على خطر الوفاة من عدد ساعات النوم نفسه.
منتصف العمر.. وقت الوقاية وليس الانتظار
تكشف هذه النصائح أن الاهتمام بالصحة في منتصف العمر لا يحتاج بالضرورة إلى تغييرات جذرية أو خطط معقدة.
قد يبدأ الأمر بزيادة الحركة اليومية، وإضافة تمارين القوة، والاهتمام بالبروتين، وتناول الأطعمة المخمرة، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، ومعرفة التاريخ المرضي للعائلة، والالتزام بموعد نوم منتظم.
ويضاف إلى ذلك الاهتمام باللقاحات وممارسة التمارين التي تحسن اللياقة القلبية التنفسية.
ولا تعني هذه الخطوات ضمان حياة خالية من الأمراض، لكنها، وفق آراء الخبراء الواردة في التقرير، تمثل عادات يمكن أن تساعد في دعم الصحة خلال مرحلة تعد من أكثر مراحل العمر أهمية.
فالطريقة
التي يعامل بها الإنسان جسده وعقله في الأربعينيات والخمسينيات قد لا تظهر نتائجها
فوراً، لكنها يمكن أن تؤثر في مستوى صحته وقدرته على الحركة والاستقلالية خلال
العقود اللاحقة.
ع ع
أضف تعليقاً