يعيش ملايين الأشخاص حول العالم مع طنين الأذن، ذلك الصوت المزعج الذي قد يظهر على شكل رنين أو صفير أو أزيز أو فحيح أو همهمة مستمرة، فيما يواجه بعض المصابين صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، وسط تحذيرات من أن تجاهل الحالة قد ينعكس سلبًا على الصحة النفسية وجودة الحياة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية وترجمته وتابعته وكالة النبأ الخبرية، فإن مرضى طنين الأذن في بريطانيا يواجهون، في بعض الحالات، فترات انتظار طويلة قد تصل إلى ثلاث سنوات للحصول على موعد مع طبيب متخصص، وفقًا لمنظمة طنين الأذن في المملكة المتحدة.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن نحو واحد من كل سبعة بالغين في المملكة المتحدة، أي قرابة ثمانية ملايين شخص، يعانون من طنين الأذن، فيما يواجه نحو 1.5 مليون شخص أعراضًا شديدة تؤثر بصورة ملموسة في حياتهم اليومية.
طنين يعرقل العمل والحياة اليومية
وتنقل "ديلي ميل" قصة كيري بوليت، البالغة من العمر 36 عامًا من بورتسموث، التي بدأت قبل نحو ستة أشهر في سماع أصوات اهتزاز وصفير في أذنيها.
وقالت بوليت إنها راجعت طبيبها العام مرتين، وأُحيلت إلى اختصاصي في أمراض الأذن، لكنها لم تحصل على معلومات أو مساعدة إضافية كافية، قبل أن تلجأ إلى اختصاصي سمعيات في القطاع الخاص، الذي أبلغها بأن الحالة قد تزول من تلقاء نفسها.
وتقول إن الطنين أثر بصورة مباشرة في عملها، إذ أصبحت تجد صعوبة في التركيز والتعامل مع العملاء، الأمر الذي جعلها تشعر بأنها "في حالة من الضياع" دون مساعدة طبية فعالة.
وبحسب تقرير منظمة طنين الأذن في المملكة المتحدة، الذي استند إلى استطلاع شمل قرابة 200 طبيب واختصاصي في هذا المجال، فإن 60% من المختصين قالوا إنهم غير قادرين على توفير مستويات الرعاية المطلوبة بسبب نقص الكوادر.
كما أفاد أكثر من ثلث اختصاصيي السمعيات في القطاع الخاص بأن طنين الأذن لا يمثل أولوية مرتفعة في بعض الحالات، الأمر الذي يدفع مزيدًا من المرضى إلى البحث عن علاج خاص بسبب طول قوائم الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.
ما أسباب طنين الأذن؟
لا يرتبط طنين الأذن بسبب واحد محدد، إذ يمكن أن يظهر بالتزامن مع فقدان السمع أو مرض السكري أو اضطرابات الغدة الدرقية، كما قد يرتبط بالقلق والاكتئاب أو يكون أثرًا جانبيًا لبعض الأدوية والعلاجات، بينها بعض المضادات الحيوية والعلاج الكيميائي.
ويُعتقد أن الطنين قد ينشأ عندما يحاول الدماغ التعويض عن انخفاض الإشارات الصوتية الواردة إليه، فيرفع حساسيته تجاه الأصوات.
وفي الحالات التي لا يظهر فيها سبب واضح، يعتقد الباحثون أن بعض الأشخاص قد يعانون ما يعرف بـ"فقدان السمع الخفي"، الناتج عن أضرار في الأعصاب التي تنقل الإشارات الصوتية إلى الدماغ، وهي أضرار قد لا تظهر في اختبارات السمع التقليدية.
العلاج لا يزيل الصوت.. لكنه قد يخفف المعاناة
ولا يوجد حتى الآن علاج نهائي لجميع حالات طنين الأذن، إلا أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية توصي، بحسب التقرير، بـالعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وهو نوع من العلاج بالكلام يساعد المرضى على تغيير طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع الأعراض.
ولا يهدف العلاج السلوكي المعرفي إلى إيقاف الصوت نفسه، لكنه يمكن أن يساعد على تقليل الضيق النفسي المرتبط به وتحسين جودة الحياة، فيما أظهرت أبحاث أن التعامل النفسي الأفضل مع الحالة قد يؤدي إلى انخفاض الشعور بحدة الأعراض.
لكن دراسة أجرتها جامعة ليدز ترينيتي وجدت أن نحو 8% فقط من الأشخاص الذين يراجعون طبيبهم العام بسبب طنين الأذن تتم إحالتهم إلى العلاج السلوكي المعرفي.
وتزداد أهمية الجانب النفسي مع شدة الحالة؛ إذ أظهر استطلاع شمل نحو 500 شخص يعانون من طنين الأذن أن واحدًا من كل خمسة راودته أفكار انتحارية أو أفكار لإيذاء النفس خلال العام السابق، بينما عانى ثمانية من كل عشرة من الاكتئاب أو القلق.
"التعوّد".. تدريب الدماغ على عدم التركيز على الطنين
وينقل التقرير تجربة الدكتور جيمس جاكسون، الطبيب النفسي المتخصص في علاج طنين الأذن والمصاب بالحالة نفسها، والذي قال إن الطنين كان في بداية تجربته "منهكًا"، وإنه لجأ في مرحلة من حياته إلى الإفراط في شرب الكحول حتى لا يبقى وحيدًا مع الأصوات التي يسمعها.
لكن جاكسون يقول إنه تعلم لاحقًا كيفية إدارة الحالة، موضحًا أن الخطوة الأولى تتمثل في تغيير طريقة التفكير وفهم أن الطنين قد لا يختفي تمامًا، وأنه لا توجد "وصفة سحرية" لعلاجه.
ويرى أن التعامل مع الحالة يشبه إلى حد ما التعامل مع الخسارة، ولذلك يحتاج المصاب إلى خفض مستويات التوتر والانشغال بأنشطة وهوايات تصرف انتباهه عن الطنين.
ويشير التقرير إلى تقنية تعرف باسم "التعوّد"، تقوم على تدريب الشخص على تحويل انتباهه تدريجيًا بعيدًا عن الضوضاء، بحيث لا يعود الطنين محور تركيزه المستمر.
تطبيقات العلاج السلوكي المعرفي
ومع طول قوائم الانتظار، بدأ بعض المرضى يتجهون إلى تطبيقات تقدم برامج علاج سلوكي معرفي مخصصة لطنين الأذن.
ومن بين هذه التطبيقات OTO، الذي يقدم برنامجًا للعلاج السلوكي المعرفي صممه باحثون في جامعة كامبريدج، ويهدف إلى مساعدة المستخدم على تغيير طريقة استجابة الدماغ للطنين ودفعه إلى الخلفية.
وتقول الشركة المنتجة إن 90% من المرضى يشهدون انخفاضًا في الأعراض خلال فترة علاج تمتد إلى ثلاثة أشهر. كما أعلنت مؤسسة "ميد آند ساوث إسيكس" التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية إحالة مرضى طنين الأذن إلى التطبيق مجانًا، بينما تبلغ كلفته للمستخدمين الآخرين نحو 36 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا.
التأمل والرياضة قد يساعدان
إلى جانب العلاج النفسي، يشير التقرير إلى أن بعض التغييرات في نمط الحياة قد تساعد على تخفيف العبء الناتج عن الطنين.
وأظهرت دراسة أجريت عام 2024 أن نحو ثلث المرضى الذين شاركوا في برنامج لليقظة الذهنية والتأمل لمدة شهرين سجلوا انخفاضًا في الأعراض، إلى جانب تراجع الأفكار السلبية المرتبطة بالحالة.
كما وجد بحث آخر في العام نفسه أن الأشخاص الذين مارسوا الرياضة لأكثر من ساعتين ونصف أسبوعيًا شهدوا انخفاضًا في أعراض طنين الأذن.
وتشير دراسات إلى أن بعض الأطعمة والمشروبات قد تزيد الأعراض لدى بعض الأشخاص، ومن بينها الأطعمة الغنية بالملح والكحول والكافيين وبعض الأطعمة الغنية بالساليسيلات، مثل القهوة والأفوكادو والتوت الأزرق.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من تحويل هذه الملاحظات إلى قيود صارمة على حياة المريض، مؤكدين أن المحفزات تختلف من شخص إلى آخر.
أجهزة جديدة.. بين الأمل والتحذير
ويستعرض التقرير أيضًا عددًا من التقنيات الحديثة التي ظهرت بهدف تخفيف أعراض طنين الأذن، ومنها جهاز Lenire الذي تبلغ كلفته نحو 3500 جنيه إسترليني.
ويعمل الجهاز من خلال سماعات رأس تصدر أصواتًا، إلى جانب جهاز يوضع في الفم لتوفير ما يسمى "التحفيز ثنائي النمط"، الذي يجمع بين التحفيز السمعي وتحفيز الأعصاب.
ويحتاج المستخدم إلى جلسات يومية مدتها 30 دقيقة، فيما أظهرت تجربة سريرية أجريت عام 2022 وشملت 450 مشاركًا أن 90% منهم سجلوا انخفاضًا في الأعراض خلال ستة أسابيع.
ورغم ذلك، يحذر بعض اختصاصيي السمعيات من التسرع في شراء الجهاز، إذ يرون أن التركيز المتكرر على الطنين أثناء جلسات العلاج قد يكون مخالفًا لبعض الأساليب التي تهدف إلى مساعدة المرضى على عدم جعل الطنين محور اهتمامهم.
وفي المقابل، برزت خيارات أقل تكلفة، بينها AirPods Pro 2 من شركة أبل، التي يبلغ سعرها نحو 200 جنيه إسترليني، والتي أصبحت تُستخدم في بعض الأسواق كأجهزة مساعدة على السمع، وتوفر خصائص تتضمن أصواتًا خلفية يمكن أن تساعد بعض المصابين على تخفيف الإحساس بالطنين.
مطالب بتغيير طريقة التعامل مع المرضى
وتؤكد منظمة طنين الأذن في المملكة المتحدة أن طول قوائم الانتظار ونقص الكوادر لا ينبغي أن يؤديا إلى ترك المرضى دون دعم، خصوصًا أن الحالة قد يكون لها تأثير كبير في الصحة النفسية لدى بعض المصابين.
وقال أليكس بروكس جونسون، الرئيس التنفيذي للمنظمة، إن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية تواجه ضغوطًا كبيرة، لكن عدم التحرك قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة وزيادة الأعباء الصحية والنفسية المرتبطة بطنين الأذن.
ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع الطنين لا يعني بالضرورة انتظار اختفائه، بل يمكن أن يبدأ بفهم الحالة، ومعرفة المحفزات الشخصية، وتقليل التوتر، وممارسة النشاط البدني، والاستفادة من العلاج السلوكي المعرفي عند الحاجة، مع أهمية الحصول على تقييم طبي متخصص، خصوصًا عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة.
أضف تعليقاً