يطرح الكاتب والباحث أحمد مولانا في مقاله المنشور في موقع "ميدل إيست آي" وترجمته وكالة النبأ الخبرية سؤالاً يتجاوز تقييم حجم النفوذ الإماراتي الحالي إلى البحث في مدى قدرة أبوظبي على الحفاظ على المكانة التي بنتها خلال العقدين الماضيين.
الفكرة الأساسية في المقال أن صعود الإمارات لم يكن نتيجة قوتها الذاتية فقط، بل جاء أيضاً نتيجة ظروف إقليمية ودولية ساعدت على ذلك. فمنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مروراً بأحداث "الربيع العربي"، وصولاً إلى تراجع الانخراط الأميركي في المنطقة، ظهرت فراغات سياسية وأمنية تمكنت أبوظبي من استثمارها عبر المال والقوة العسكرية والشراكات المحلية والدولية.
ومن هذه الزاوية، يفسر مولانا النفوذ الإماراتي بوصفه نتاجاً لمعادلة جمعت بين قدرات مالية كبيرة، ومؤسسة عسكرية متطورة، وشبكة علاقات دولية، والقدرة على العمل عبر شركاء محليين في الدول الهشة.
من الدفاع عن الدولة إلى إعادة تشكيل الإقليم
تكمن إحدى أهم نقاط المقال في تتبع التحول الذي طرأ على السياسة الإماراتية. فالدولة التي بدأت سياستها الخارجية بحذر وتركيز على بناء مؤسساتها، انتقلت تدريجياً إلى الاعتقاد بأن أمنها لا يمكن حمايته داخل حدودها فقط.
وتشكلت هذه الرؤية بصورة أوضح بعد صعود محمد بن زايد، ثم تعززت بعد أحداث 11 سبتمبر والربيع العربي. وأصبحت أبوظبي أكثر استعداداً لاستخدام الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية خارج حدودها، ودعم قوى محلية ترى أنها تتوافق مع مصالحها.
وهنا يبرز اليمن وليبيا والسودان ومصر والقرن الأفريقي كأمثلة على انتقال الإمارات من سياسة حماية الدولة إلى سياسة التأثير في موازين القوى داخل دول أخرى.
قوة صغيرة بأدوات أكبر من حجمها
يقدم المقال تفسيراً مهماً لظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة: كيف تمكنت دولة صغيرة من حيث السكان والجغرافيا من امتلاك هذا الحجم من التأثير؟
الإجابة، وفق قراءة مولانا، لا تكمن في القوة العسكرية وحدها، وإنما في القدرة على الجمع بين عناصر متعددة: الأموال، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتسليح، والعلاقات الأمنية، والتحالفات الدولية، والعمل مع أطراف محلية تمتلك نفوذاً على الأرض.
وبذلك لم تكن أبوظبي بحاجة إلى السيطرة المباشرة على الدول التي تتدخل فيها؛ بل كان يكفيها، في كثير من الحالات، بناء علاقات مع قوى محلية قادرة على تحقيق جزء من أهدافها.
لكن البيئة التي صنعت الصعود تتغير هنا يصل المقال إلى فكرته الأكثر أهمية.
فإذا كان صعود الإمارات قد استفاد من ضعف دول المنطقة، وانكفاء أميركي نسبي، وانقسامات داخلية في عدد من الدول العربية، فإن هذه الظروف ليست ثابتة.
التوترات مع السعودية، والمخاطر المرتبطة بإيران، والتحولات في سوريا وأفغانستان، وتغير طبيعة العلاقة مع القوى الإسلامية، كلها عوامل تجعل استمرار النموذج الإماراتي أكثر تعقيداً.
كما أن اعتماد الإمارات على موقعها كمركز عالمي للتجارة والاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية يجعل تعرضها لصراعات إقليمية مباشرة أكثر حساسية مما كان عليه الأمر عندما كانت سياستها الخارجية تتحرك أساساً في ساحات بعيدة عن أراضيها.
المعضلة الإماراتية
المفارقة التي يلمح إليها المقال هي أن أدوات القوة الإماراتية نفسها قد تصبح مصدر ضغط عليها.
فالنفوذ الواسع يعني التزامات ومخاطر أوسع، وكلما توسعت شبكة المصالح والتحالفات، أصبحت أبوظبي أكثر تعرضاً لتداعيات الأزمات التي تدخلت فيها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الإمارات قد أصبحت قوة إقليمية مؤثرة؛ فهذا أمر بات واضحاً، وإنما ما إذا كانت قادرة على إدارة هذا النفوذ عندما تصبح تكلفة التوسع الخارجي أعلى من عوائده.
بين النفوذ والانكفاء
لا يقدم مولانا، بالضرورة، صورة عن نهاية الدور الإماراتي، بل يلفت إلى احتمال انتقاله إلى مرحلة مختلفة.
فالإمارات قد لا تتراجع عن نفوذها، لكنها قد تصبح أكثر انتقائية في استخدامه، وأكثر ميلاً إلى الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، وأقل استعداداً لتحمل مغامرات عسكرية أو صراعات طويلة الأمد.
ومن هنا يمكن قراءة التحول في تعامل أبوظبي مع بعض القوى الإسلامية الجديدة باعتباره مؤشراً على براغماتية متزايدة: عندما تتغير موازين القوى، يصبح الحوار أحياناً أكثر فاعلية من المواجهة.
الخلاصة
تكمن قوة مقال أحمد مولانا في أنه لا ينظر إلى صعود الإمارات باعتباره قصة نجاح منفصلة عن محيطها، بل يربطه بتحولات كبرى أصابت النظام الإقليمي العربي خلال العقدين الماضيين.
والسؤال الذي يتركه المقال مفتوحاً هو: هل تستطيع الإمارات الحفاظ على نفوذ يفوق بكثير حجمها، في وقت لم تعد فيه البيئة التي صنعت هذا النفوذ كما كانت؟
الإجابة قد لا تكون في تراجع الإمارات، وإنما في إعادة تعريف طموحها الإقليمي. فالقوة الإماراتية وصلت إلى مستوى يجعل التراجع الكامل غير مرجح، لكن استمرار التوسع بالوتيرة نفسها قد يصبح أكثر كلفة. وبين هذين الخيارين، تبدو أبوظبي أمام مرحلة اختبار حقيقية: كيف تحافظ على نفوذها من دون أن تتحول اتساعاته إلى عبء على أمنها واقتصادها؟
أضف تعليقاً