لم تعد مراكز البيانات التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة مجرد منشآت تقنية ضخمة تخدم شركات التكنولوجيا، بل تتحول بصورة متسارعة إلى أصول استراتيجية ذات أهمية اقتصادية وأمنية، الأمر الذي يفتح جبهة جديدة في حسابات الدول بشأن حماية البنية التحتية الرقمية ومواقع انتشارها حول العالم.
ويحذر بحث صادر عن مؤسسة بروكينغز من أن التوسع العالمي في بناء البنية التحتية اللازمة لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة النظر في الطريقة التي يجري بها اختيار مواقع مراكز البيانات، خصوصاً عندما تكون هذه المنشآت خارج الحدود الوطنية وفي مناطق معرضة للتوترات الجيوسياسية.
وقد تابعت وكالة النبأ البحث وترجمته إلى العربية، وهو بحث شارك في إعداده ديريك بيل، ونيتيا نادجير، وأليخاندرا روشا، وإلهام طباسي، وفاليري ويرتشافتر، وتوماس رايت، ضمن أعمال مبادرة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة ومراكز بروكينغز المعنية بالأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا والسياسة الخارجية.
ويأتي هذا النقاش في وقت يتزايد فيه اعتماد الاقتصاد العالمي على الحوسبة المتقدمة، بينما تتطلب النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي كميات هائلة من القدرة الحاسوبية والطاقة وأنظمة التبريد وشبكات الاتصال، ما يجعل إنشاء مراكز البيانات عملية مكلفة ومعقدة تتجاوز في آثارها حدود قطاع التكنولوجيا.
هجوم على مراكز بيانات يكشف هشاشة جديدة
ويستشهد البحث بحادثة وقعت في الأول من مارس/آذار، عندما تعرضت ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) في الشرق الأوسط لهجوم بطائرات مسيرة، في سياق الرد الإيراني على عملية "إبيك فيوري".
ووفق البحث، أكدت AWS أن الهجمات تسببت في أضرار هيكلية وانقطاع في الكهرباء وتفعيل أنظمة إخماد الحرائق، إضافة إلى أضرار ناجمة عن المياه في أجزاء من البنية التحتية. كما أشارت وسائل إعلام إيرانية رسمية إلى أن الحرس الثوري الإيراني استهدف منشأة في البحرين بسبب ما وصفه بدورها في دعم العمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية.
ويرى الباحثون أن الواقعة تقدم مثالاً واضحاً على تحول مراكز البيانات إلى أهداف محتملة في الصراعات الجيوسياسية، خصوصاً مع توسع البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتكمن أهمية هذه المنشآت في أن تعطيل مكونات تبدو ثانوية، مثل أنظمة التبريد أو المحولات أو مولدات الكهرباء، يمكن أن يؤدي إلى إخراج مجموعات حوسبة ضخمة من الخدمة، في حين أن إصلاح الأضرار أو نقل العمليات إلى منشآت بديلة قد يستغرق وقتاً طويلاً ويكلف مبالغ كبيرة.
سباق عالمي على البنية التحتية
وتحتل الولايات المتحدة حالياً موقعاً متقدماً عالمياً في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن الحفاظ على هذه الريادة يتطلب توسيع البنية التحتية الحاسوبية بصورة كبيرة.
ويشير البحث إلى أن تدريب أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً يحتاج إلى مجموعات ضخمة من الرقائق المتخصصة، ومراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتحتاج إلى أنظمة تبريد متطورة. ومع نمو قدرات النماذج، تتسع البنية التحتية المطلوبة لتشغيلها، فيما يتوقع بعض المحللين أن تتجاوز النفقات الرأسمالية لشركات الحوسبة السحابية الكبرى تريليون دولار بحلول عام 2027.
لكن بناء هذه المنشآت داخل الولايات المتحدة يواجه عقبات متعددة، من بينها صعوبة توفير كميات كبيرة من الكهرباء الموثوقة، وتأخر ربط مراكز البيانات بشبكات الطاقة، وإجراءات الترخيص والمراجعات البيئية، فضلاً عن اختناقات سلاسل التوريد ونقص العمالة المتخصصة.
كما تواجه بعض مشاريع مراكز البيانات معارضة محلية بسبب استهلاكها الكبير للكهرباء والمياه وتأثيرها على استخدام الأراضي وأسعار الطاقة، ما دفع بعض الولايات والمقاطعات إلى فرض قيود أو تعليق مشاريع جديدة، بحسب البحث.
في المقابل، تتنافس دول أخرى على استقطاب هذه الاستثمارات من خلال توفير الطاقة الرخيصة، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتقديم الحوافز الحكومية، فضلاً عن ضخ استثمارات سيادية ضخمة.
وتبرز دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والسعودية، باعتبارها من المناطق التي تسعى إلى التحول إلى مراكز رئيسية للبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مستفيدة من وفرة رأس المال والطاقة والسياسات الداعمة للاستثمار في التكنولوجيا.
من قرار تجاري إلى مسألة أمن قومي
لكن انتقال مراكز البيانات إلى الخارج لا يخلو من مخاطر، بحسب الباحثين، إذ يمكن أن تتعرض هذه المنشآت لتهديدات تتراوح بين سرقة الملكية الفكرية والتجسس والتخريب المادي والهجمات السيبرانية، وصولاً إلى الوصول غير المصرح به إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي أو التلاعب بها.
وتضم مراكز البيانات المتقدمة رقائق متخصصة وبرمجيات وبيانات تدريب وأوزان نماذج تمثل قيمة اقتصادية وتقنية واستراتيجية كبيرة. وبالتالي، فإن اختراقها لا يعني بالضرورة خسارة تجارية فحسب، بل يمكن أن يؤدي إلى تراجع التفوق التكنولوجي وتسريع قدرات المنافسين، فضلاً عن التأثير في سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد تعتمد عليها قطاعات حيوية.
ويضيف البحث أن وجود البنية التحتية في دولة أجنبية يخلق أيضاً مشكلة قانونية تتعلق بالاختصاص القضائي، إذ تخضع المنشآت للقوانين المحلية، وقد تتمتع الحكومات المضيفة بصلاحيات تمكنها من الوصول إلى البيانات أو إلزام الشركات بالكشف عنها أو تغيير بعض عملياتها.
وهذا الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تتعلق البيانات أو النماذج بتقنيات متقدمة أو أصول ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الدولة التي تمتلكها.
الاعتماد على الخارج قد يتحول إلى نقطة ضعف
ويحذر الباحثون كذلك من مخاطر الاعتماد طويل الأمد على منشآت خارجية، إذ إن مراكز البيانات تمثل استثمارات ضخمة يصعب نقلها بسرعة. وفي حال ارتبط جزء كبير من منظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية بمرافق خارج البلاد، فقد تحصل الدول المضيفة على نفوذ هيكلي على قرارات تكنولوجية واقتصادية أمريكية.
وقد يتحول هذا النفوذ إلى أداة ضغط خلال الأزمات الدبلوماسية أو النزاعات الجيوسياسية، خصوصاً إذا أصبح نقل البنية التحتية أو إعادة بناء قدرات الحوسبة داخل الولايات المتحدة أمراً بالغ الكلفة والصعوبة.
ويقارن البحث هذا الخطر جزئياً بالاعتماد العالمي على سلاسل توريد أشباه الموصلات، حيث أدى تركّز بعض القدرات التصنيعية المتقدمة في مناطق محددة إلى خلق نقاط ضعف استراتيجية.
وبالمثل، فإن تمركز مجموعات التدريب المتقدمة للذكاء الاصطناعي في مواقع محددة خارج الولايات المتحدة قد يفرض التزامات أمنية إضافية لحماية هذه المنشآت.
الشرق الأوسط نموذج للمخاطر المادية
وتكتسب المخاطر المادية أهمية خاصة عندما تكون مراكز البيانات موجودة في مناطق تعاني اضطرابات سياسية أو أمنية.
ويشير البحث إلى أن المنشآت الواقعة في بيئات جيوسياسية غير مستقرة يمكن أن تواجه مخاطر يصعب على الولايات المتحدة أو الدولة المالكة للبنية التحتية السيطرة عليها، حتى مع استخدام وسائل الحماية المتقدمة.
وتشمل إجراءات الحماية الممكنة تعزيز المباني، وإنشاء منشآت تحت الأرض، واستخدام أنظمة مضادة للطائرات المسيرة وأنظمة دفاع جوي، إلا أن الباحثين يشيرون إلى أن هذه الإجراءات مكلفة ولا توفر بالضرورة حماية كاملة أمام هجمات منخفضة الكلفة أو أمام استهداف البنية التحتية التي تزود مراكز البيانات بالطاقة.
ويعني ذلك أن موقع مركز البيانات لم يعد قراراً تجارياً محضاً يتعلق بتكلفة الكهرباء أو قربه من المستخدمين، بل أصبح جزءاً من حسابات الأمن القومي.
أين ينبغي أن تُبنى البنية التحتية؟
لا يرى الباحثون أن جميع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يجب أن تبقى داخل الولايات المتحدة، بل يطرحون سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بنوع الأصول التي يمكن وضعها خارج البلاد، والمواقع المناسبة لها، والضمانات المطلوبة قبل تشغيلها.
ويشير البحث إلى ضرورة التمييز بين أنواع أحمال العمل الحاسوبية، وتقييم قوانين الدولة المضيفة وتوافقها الاستراتيجي، ودراسة الملكية والسيطرة التشغيلية، فضلاً عن تحديد نقاط الضعف التي يمكن تقليلها عبر إجراءات تقنية أو تعاقدية أو دبلوماسية.
ويعتزم مشروع بروكينغز مواصلة دراسة هذه المخاطر خلال الأشهر المقبلة، من خلال تطوير إطار يسمح بمقارنة التهديدات بين أنواع مختلفة من أحمال العمل والأنظمة القانونية، وتقييم الحالات التي يمكن أن يؤدي فيها إنشاء البنية التحتية في الخارج إلى اعتماد استراتيجي أو تعرض أمني غير مقبول.
ويخلص البحث إلى أن قرارات تحديد مواقع البنية التحتية المتقدمة للذكاء الاصطناعي باتت خيارات استراتيجية وليست مجرد قرارات تجارية، محذراً من أن الاستثمارات التي تبدو اقتصادية في الوقت الراهن قد تتحول مستقبلاً إلى تبعيات يصعب التراجع عنها أو تكون تكلفة التخلص منها مرتفعة للغاية.
وبذلك، فإن سباق الذكاء الاصطناعي لا يدور فقط حول من يمتلك أفضل نموذج أو أقوى شريحة إلكترونية، بل يمتد أيضاً إلى سؤال أكثر جوهرية: أين ستُبنى البنية التحتية التي تمنح هذه التكنولوجيا قدرتها، ومن يملك السيطرة عليها، وكيف يمكن حمايتها عندما تتحول إلى جزء من القوة الاقتصادية والأمنية للدول؟
أضف تعليقاً