لماذا علينا غالبا ان نعود بالذاكرة النقدية الى الاحداث السابقة؛ في عام 1999، أثار المفكر الاستراتيجي الأمريكي إدوارد لوتواك جدلاً واسعاً بطرحه نظرية "إعطاء الحرب فرصة"، والتي جادل فيها بأن التدخلات الدولية المبكرة لتجميد الصراعات تمنع حسمها، ودعا إلى ترك الحروب تأخذ مداها الطبيعي حتى يصل الخصوم إلى مرحلة الإنهاك التام أو الانتصار الحاسم الذي يمهد لسلام مستدام.
واليوم، ومع تعقد المشهد الأمني والسياسي في العراق، يبرز تساؤل بنيوي حول مدى إمكانية استخدام الولايات المتحدة لهذه المقاربة، ولو بشكل غير معلن، بهدف إضعاف الفصائل المسلحة وأجهزة الدولة الرسمية في آن واحد، لضمان بقاء الساحة العراقية تحت السيطرة دون تكلّفة عسكرية باهظة.. من الناحية الرسمية، لا تتبنى واشنطن هذه النظرية كاستراتيجية معلنة في العراق، بل تؤكد باستمرار دعمها لاستقرار البلاد ومؤسساتها الدستورية.
ومع ذلك، فإن سلوكها السياسي والعسكري الفعلي على الأرض يخلق بيئة من الاستنزاف المتبادل تتشابه في مخرجاتها الواقعية مع جوهر نظرية لوتواك. ويتجلى هذا السلوك بوضوح في سياسة ضربات التحجيم لا التفكيك التي تنتهجها واشنطن تجاه الفصائل المسلحة "فصائل المقاومة"؛ حيث لا تسعى الولايات المتحدة إلى خوض مواجهة عسكرية شاملة لتفكيك هذه الجماعات، بل تعتمد على استراتيجية الردع الموضعي والضربات الجراحية المستهدفة عند تعرض مصالحها للخطر، هذا الأسلوب يبقي الصراع في حالة توازن سلبي مستمر، فبينما تنجح الضربات الأمريكية في استنزاف القدرات العسكرية واللوجستية للفصائل وقضم قياداتها، فإنها تمنحها في الوقت ذاته الذريعة السياسية والشعبية للاستمرار تحت غطاء المقاومة، مما يحول دون وصول أي طرف إلى حسم نهائي ويترك الساحة في حالة استنزاف دائم ومسيطر عليه
في المقابل، لا تسمح السياسة الأمريكية بانهيار الدولة العراقية كلياً، لكنها تمارس عليها ما يمكن تسميته بالضغط المشروط والإنهاك غير المباشر لمؤسساتها. ويظهر ذلك من خلال القيود المالية الصارمة التي تفرضها على تدفقات الدولار وعقوبات القطاع المصرفي، مع ربط دعمها السياسي والاقتصادي بمطالبات مستمرة لفرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، هذا السلوك يضع أجهزة الدولة الرسمية والحكومة العراقية في موقف حرج ومعقد؛ فهي تبدو عاجزة من جهة عن حماية سيادتها أمام الضربات الأمريكية، وعاجزة من جهة أخرى عن كبح جماح الفصائل المنضوية في مؤسساتها الأمنية، هذا الحرج والتردد المستمران يؤديان تدريجياً إلى إنهاك هيبة الدولة وإضعاف مؤسساتها الرسمية، لتبدو الساحة العراقية وكأنها متروكة لصراع إرادات طويل الأمد ومفتوح على كل الاحتمالات.
ورغم تقاطع هذه النتائج مع نظرية لوتواك، إلا أن الولايات المتحدة تتجنب بصرامة ترك الأمور لتصل إلى فوضى عارمة أو مواجهة دموية مفتوحة وشاملة في العراق لوجود خطوط حمراء استراتيجية لا يمكن تجاوزها. يأتي في مقدمة هذه الخطوط أمن الطاقة العالمي، حيث تشكل أي حرب أهلية مفتوحة تهديداً مباشراً لخطوط إنتاج وتصدير النفط العراقي، وهو ما لا يمكن للاقتصاد العالمي تحمله.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز هاجس عودة الإرهاب؛ إذ إن انهيار أجهزة الدولة بالكامل سيخلق فراغاً أمنياً شاسعاً تعيد التنظيمات المتطرفة، مثل بقايا تنظيم داعش، استغلاله، مما يشكل خطراً مباشراً على الأمن القومي الأمريكي ومصالح حلفائها في المنطقة، كما أن تطبيق نظرية "إعطاء الحرب فرصة" في بيئة عراقية غير متكافئة قد ينتهي بانتصار الطرف الأكثر تنظيماً وتسليحاً، مما يؤدي إلى بسط نفوذ إقليمي كامل على البلاد وهي النتيجة التي تحارب واشنطن تاريخياً لمنعها حفاظا على مصالح الولايات المتحدة ومسار التوازن الاقليمي.. بناءً على ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة لا تطبق نظرية لوتواك بحذافيرها رغبةً في نشر الفوضى، بل تمارس سياسة إدارة الأزمة بدل حلها؛ وهي سياسة براغماتية تُبقي كافة الأطراف في العراق في حالة إنهاك متبادل، مما يمنع الفصائل المسلحة من تحقيق هيمنة مطلقة، ويمنع الدولة في الوقت نفسه من استعادة سيادتها الكاملة وقرارها المستقل، مستفيدة من حالة التوازن السلبي هذه لضمان مصالحها الحيوية بأقل التكاليف السياسية والعسكرية.
أضف تعليقاً