تتسع تداعيات تغير المناخ على أسواق العمل العربية، مع انتقال المخاطر من نطاقها البيئي التقليدي إلى الاقتصاد والتوظيف وسلامة العمال، في وقت تشير تقديرات إلى أن الإجهاد الحراري والكوارث المناخية قد تفرض خسائر متزايدة في ساعات العمل والدخل والإنتاجية خلال العقود المقبلة.
وتكشف بيانات تابعتها وكالة النبأ، أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل بمنظومة أوسع من الظواهر المناخية تشمل الفيضانات والعواصف والجفاف والحرائق وغيرها من الأحداث التي يمكن أن تعطل النشاط الاقتصادي وتعرض العمال، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني، لمخاطر متزايدة.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن نحو 250 مليار ساعة عمل سنوياً قد تكون مهددة بالفقدان خلال الفترة بين 2030 و2050 بسبب ارتفاع درجات الحرارة، في مؤشر على حجم التأثير المحتمل للمناخ في القدرة على العمل والإنتاج.
وتأتي هذه المخاطر في وقت أصبحت فيه الكوارث المرتبطة بالمناخ تمثل عبئاً اقتصادياً متنامياً، إذ تشير البيانات إلى خسائر بلغت نحو 957 مليار دولار خلال الفترة من 2020 إلى 2024، بينها 313 مليار دولار خلال عام 2022 وحده.
ولا يقتصر الضغط على الخسائر الناجمة عن الكوارث المباشرة، إذ تشير التقديرات كذلك إلى احتمال وصول الخسائر المرتبطة بالإجهاد الحراري إلى نحو 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2030، بما يعكس التداعيات الاقتصادية لتراجع قدرة العمال على أداء مهامهم في درجات الحرارة المرتفعة.
ويضع ذلك أسواق العمل العربية أمام معادلة مزدوجة؛ فمن جهة، تبرز الحاجة إلى حماية العاملين في القطاعات الأكثر تعرضاً للحرارة والظواهر الجوية القاسية، ومن جهة أخرى، يتطلب الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة إعادة تأهيل جزء من القوى العاملة لمواكبة الوظائف والتقنيات الجديدة التي يفرضها التحول الأخضر.
وتبدو قطاعات العمل الميداني أكثر حساسية لهذه التحولات، إذ إن ارتفاع الحرارة أو وقوع أحداث مناخية متطرفة يمكن أن يقلص ساعات العمل الآمنة ويؤثر في الإنتاجية، فضلاً عن زيادة المخاطر المهنية، وهو ما يجعل التكيف المناخي جزءاً من سياسات سوق العمل وليس قضية بيئية منفصلة عنها.
وفي المقابل، يمكن للتحول نحو الاقتصاد الأخضر أن يفتح مجالات جديدة للتوظيف والاستثمار، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مصير الوظائف التقليدية والمهارات التي قد يتراجع الطلب عليها، ومدى قدرة الاقتصادات العربية على ضمان انتقال لا يترك فئات من العمال خارج سوق العمل.
ويبرز هنا مفهوم "الانتقال العادل" بوصفه أحد المفاتيح الرئيسية للتعامل مع التحولات المقبلة، عبر الجمع بين خفض الانبعاثات وحماية الوظائف والدخل وتوفير برامج التدريب وإعادة التأهيل، بحيث لا تتحمل الفئات الأكثر هشاشة الكلفة الأكبر للتحول الاقتصادي.
كما تفرض التطورات مسؤولية متزايدة على الحكومات لتحديث تشريعات العمل ومعايير السلامة المهنية والحماية الاجتماعية بما يتلاءم مع المخاطر المناخية، إلى جانب تطوير نظم الإنذار المبكر وتنظيم ساعات العمل خلال موجات الحر والظروف الجوية الخطرة.
ويواجه أصحاب الأعمال بدورهم ضغوطاً متنامية للاستثمار في بيئات عمل أكثر أماناً وتقنيات تقلل تعرض العاملين للحرارة والمخاطر المناخية، بالتوازي مع التوسع في التكنولوجيا النظيفة ورفع كفاءة استخدام الطاقة والموارد.
أما العمال ومنظماتهم، فتتزايد أهمية مشاركتهم في الحوار بشأن سياسات التحول الأخضر وبرامج التدريب وإعادة التأهيل، خصوصاً مع احتمال تغير طبيعة بعض المهن وظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة عن تلك التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من سوق العمل حالياً.
وتشير الصورة العامة إلى أن العلاقة بين المناخ والعمل في المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على كيفية حماية الاقتصاد من الكوارث، وإنما تمتد إلى كيفية حماية الإنسان الذي يعمل داخله، والحفاظ على دخله وقدرته على الانتقال إلى الوظائف الجديدة.
وبين الخسائر المتوقعة والفرص التي قد يولدها الاقتصاد الأخضر، يتوقف حجم التأثير على قدرة الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال على التحرك ضمن سياسات متكاملة تجعل التكيف مع تغير المناخ جزءاً من التخطيط الاقتصادي وسوق العمل، بدلاً من التعامل معه بوصفه استجابة مؤقتة للأزمات.
أضف تعليقاً