تجاوز الدين الوطني الإجمالي للولايات المتحدة حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة تعكس تصاعد الضغوط على المالية العامة الأميركية، مع استمرار الحكومة في الاقتراض لتمويل الإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية وخفض الضرائب.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" وترجمته وكالة النبأ، ان الولايات المتحدة تتجه هذا العام إلى اقتراض أكثر من تريليوني دولار لتغطية التزاماتها، في وقت أصبحت فيه مدفوعات الفائدة على الدين تشكل نحو نصف العجز المالي، ما يزيد كلفة الاقتراض ويعمق الضغوط على الموازنة.
ويأتي بلوغ الدين هذا المستوى في وقت يواجه فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدياً في تنفيذ تعهداته بخفض العجز وإعادة الانضباط إلى المالية العامة. وكان ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية عام 2016 بالقضاء على الدين الوطني خلال ثماني سنوات، إلا أن الدين تضاعف منذ ذلك الحين.
الإنفاق العسكري وخفض الضرائب
ويرتبط جزء من الزيادة الحالية في الاقتراض بارتفاع الإنفاق الحكومي، بما في ذلك النفقات المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب التخفيضات الضريبية التي أقرها الجمهوريون عام 2025.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن العجز يتجه هذا العام في الاتجاه الخاطئ، عازياً ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى زيادة الإنفاق العسكري وتداعيات إعادة مبالغ الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية.
وكانت المحكمة العليا الأميركية قد قضت بعدم قانونية بعض تلك الرسوم، ما أدى إلى إلزام الحكومة بإعادة أكثر من 160 مليار دولار إلى الشركات التي دفعتها، الأمر الذي قلص الإيرادات التي كانت الإدارة تراهن عليها لخفض العجز.
كما أشار بيسنت إلى أن التخفيضات الضريبية الأخيرة تضغط على العجز في الأجل القصير، في ظل استفادة الشركات من أحكام تسمح لها بخصم تكاليف إنشاء المصانع والمعدات بصورة فورية.
وبحسب تقديرات لجنة الضرائب المشتركة في الكونغرس، قد تكلف هذه الإجراءات الخزانة نحو 100 مليار دولار خلال العام الحالي.
الفائدة تزيد كلفة الدين
ولا يقتصر أثر ارتفاع الدين على حجم الالتزامات الحكومية، إذ بدأت الأسواق تطالب بعوائد أعلى مقابل حيازة السندات الأميركية.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى له في نحو عقدين، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض على الحكومة، كما يمكن أن ينعكس على تكلفة التمويل بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين.
وقال مارك غولدوين، مدير السياسات في لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، إن المخاوف تتزايد من بدء دخول الدين في "دوامة" مع تنامي مدفوعات الفائدة.
ويحذر خبراء ماليون من أن استمرار تراكم الدين قد يدفع المستثمرين مستقبلاً إلى المطالبة بعوائد أعلى على السندات الأميركية، أو يثير تساؤلات بشأن الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، بما قد يؤثر في الثقة بالدولار بوصفه العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم.
وعود خفض الإنفاق تحت الاختبار
وكانت إدارة ترامب قد راهنت أيضاً على خفض الإنفاق الحكومي من خلال وزارة كفاءة الحكومة، التي قادها في البداية إيلون ماسك، بهدف توفير نحو تريليون دولار.
لكن التقرير أشار إلى أن الوزارة أعلنت حتى الآن تحقيق وفورات تزيد قليلاً على 200 مليار دولار، فيما قالت هيئة المحاسبة الحكومية الأميركية إن تقديرات الوزارة تفتقر إلى الموثوقية والشفافية.
وفي الوقت نفسه، حدد بيسنت هدفاً لخفض العجز إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، مقارنة بأكثر من 6% عندما تولى ترامب الرئاسة، إلا أن التطورات المالية الأخيرة تجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة.
الخزانة تتحرك لاحتواء كلفة الاقتراض
وفي محاولة للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض، أعلن بيسنت أن وزارة الخزانة ستضاعف حجم عمليات إعادة شراء ديونها المسموح بها من المستثمرين.
وتراقب الأسواق أيضاً سياسة الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحتفظ بمحفظة تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار من السندات الحكومية والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.
ويعتزم رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي تولى المنصب في مايو/أيار، تقليص حجم تلك المحفظة، التي تضخمت بشكل رئيسي خلال الأزمات السابقة عندما تدخل البنك المركزي لدعم الأسواق.
ويرى متعاملون أن أي تغيير محدود في تركيب محفظة الاحتياطي الفيدرالي قد تكون آثاره محدودة، لكن تقليص حيازاته بصورة كبيرة، ولا سيما من خلال بيع السندات مباشرة، قد يزيد الضغوط على سوق الخزانة.
وبينما لا تزال سندات الخزانة الأميركية تتمتع بمكانة محورية في النظام المالي العالمي بفضل عمق السوق وسيولته، فإن تجاوز الدين حاجز 40 تريليون دولار يسلط الضوء مجدداً على التحدي الذي تواجهه واشنطن في تحقيق التوازن بين الإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي من جهة، واستدامة المالية العامة من جهة أخرى.
أضف تعليقاً