يتجه القطب الشمالي إلى أن يصبح ساحة متزايدة الأهمية للتنافس الجيوسياسي، مع تسارع ذوبان الجليد وتوسع طرق الملاحة البحرية، بالتزامن مع تنامي النشاط الروسي والصيني في المنطقة، وتراجع الدور الأمريكي في مجال البحوث المناخية والقطبية.
وبحسب تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" وترجمته وكالة النبأ، فإن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الدعم الفيدرالي للتقرير السنوي عن مناخ القطب الشمالي يمثل خسارة للمجتمع البحثي، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه المجال أمام الدول الأوروبية وكندا لتولي دور أكبر في جمع البيانات العلمية وتحليلها، بما يمنحها ميزة استراتيجية في منطقة تتقاطع فيها مصالح الطاقة والدفاع والتكنولوجيا والنقل والثروات المعدنية ومصايد الأسماك.
وأوضح التقرير، الذي حمل عنوان "ذوبان الجليد وتحولات القوة: على أوروبا وكندا اغتنام لحظتهما في القطب الشمالي"، أن الإدارة الأمريكية أعلنت في 10 أغسطس عدم مواصلة إصدار "بطاقة تقرير القطب الشمالي"، وهي وثيقة دأبت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي "NOAA" على إعدادها لنحو عقدين، بمشاركة أكثر من 100 عالم ومنظمة دولية.
وكان التقرير السنوي يجمع بيانات واسعة بشأن حالة البيئة في القطب الشمالي، بينها مستويات الجليد وعمق المياه وأنماط الطقس، ما عزز قدرة الولايات المتحدة على مراقبة التحولات المتسارعة في المنطقة.
العلم يتحول إلى أداة استراتيجية
ويرى "تشاتام هاوس" أن التراجع الأمريكي عن قيادة الأبحاث القطبية يأتي في توقيت حساس، إذ باتت المعلومات العلمية والقدرة على مراقبة المجال البحري والجوي وتحت سطح البحر عناصر أساسية في التنافس على المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن الصين، رغم كونها دولة غير قطبية، تمتلك سبع محطات بحثية في المناطق القطبية، مقارنة بأربع محطات أمريكية، فضلاً عن أسطول من كاسحات الجليد ذات الاستخدامات المزدوجة، فيما تضع الأبحاث القطبية ضمن أولوياتها البحثية.
ويحذر التقرير من مفارقة تتمثل في تراجع الدور الأمريكي في الأبحاث القطبية، في الوقت الذي ترفع فيه واشنطن مستوى تحذيراتها بشأن الطموحات الروسية والصينية في غرينلاند وشمال الأطلسي.
ويؤكد أن الأمن القومي والدراسات العلمية في القطب الشمالي باتا مترابطين بصورة وثيقة، إذ تعتمد قدرة الدول على حماية مصالحها في المنطقة على استمرار تطوير المعرفة والقدرات التقنية والاستفادة من البيانات العلمية المتاحة.
أوروبا وكندا تعززان حضورهما
وفي
ظل هذه التحولات، بدأت دول أوروبية وكندا في تعزيز وجودها الاستراتيجي في القطب
الشمالي.
وبحسب التقرير، افتتحت أو تستعد كل من النرويج وفرنسا وكندا والاتحاد الأوروبي لافتتاح مكاتب دبلوماسية في نوك، عاصمة غرينلاند، فيما كثفت الحكومات الأوروبية وفرقها الدفاعية اجتماعاتها المتعلقة بأمن المنطقة وغرينلاند.
كما عزز أعضاء حلف شمال الأطلسي السبعة المطلة على القطب الشمالي، وهي كندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد والولايات المتحدة، التنسيق بينهم بشأن أمن المنطقة.
وفي هذا السياق، بدأت الدنمارك في تدوير مجموعات من المجندين الجدد في غرينلاند لأغراض التدريب، بينما أرسلت بريطانيا مجموعة قتالية لحاملة طائرات إلى شمال الأطلسي والمنطقة الشمالية ضمن مهمة "الحارس القطبي" التابعة لحلف الناتو.
روسيا والصين توسعان نشاطهما البحري
ويشير التقرير إلى أن التحركات الروسية والصينية الأخيرة تعكس توجهاً نحو استغلال الفرص التي يتيحها ذوبان الجليد وتوسع طرق الملاحة في المنطقة.
فقد أرسلت روسيا قافلة من ناقلات النفط تحمل ما يصل إلى مليون طن من الخام عبر طريق نادر الاستخدام شمال خط عرض 81.5 درجة شمالاً، ترافقها كاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية.
وفي الوقت نفسه، وقعت ست ناقلات صينية اتفاقات لاستخدام طريق البحر الشمالي الروسي خلال أغسطس لتجنب المسار البحري الخطير في البحر الأحمر.
ووفق التقرير، ستتمكن السفن الصينية للمرة الأولى من الانتقال من ميناء نينغبو-تشوشان إلى ميناء فيلكستو البريطاني عبر هذا المسار، بما يوفر نحو 22 يوماً مقارنة بالطرق التقليدية.
والأهم، بحسب "تشاتام هاوس"، أن السفن الصينية ستستفيد من بيانات تنبؤية بشأن الجليد بدلاً من البيانات الرصدية التقليدية التي توفرها وزارة النقل الصينية، وهي قدرة جاءت نتيجة سنوات من الاستثمار الصيني في أبحاث القطب الشمالي.
ثلاث أولويات أمام أوروبا وكندا
وحدد التقرير ثلاثة مسارات رئيسية يمكن لأوروبا وكندا التركيز عليها لتعزيز حضورهما في المنطقة.
أولها، توسيع وتمويل أنظمة المراقبة المشتركة، بما في ذلك الأقمار الصناعية، وشبكات أجهزة الاستشعار تحت الماء في منطقة غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة وبحر بارنتس، فضلاً عن زيادة دوريات الطائرات البحرية.
وثانيها، إعطاء أبحاث القطب الشمالي والتطوير التقني أولوية في خطط الإنفاق الوطنية، إلى جانب إنشاء اتحاد أوروبي-كندي مشترك للبيانات القطبية يتولى مهاماً مشابهة لتلك التي كان يؤديها "تقرير القطب الشمالي"، ويطور بنية رقمية متقدمة للبحوث.
كما يدعو التقرير إلى إعادة تنشيط مجلس القطب الشمالي، والعمل على معالجة مشكلة نقص البيانات الروسية في مجال الأبحاث القطبية.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في تبني أعضاء الناتو السبعة في القطب الشمالي موقفاً مشتركاً تجاه السيطرة الروسية والصينية على طريق البحر الشمالي، إلى جانب تطوير البنية التحتية وأنظمة الدعم البحري في المنطقة للحد من احتكار روسيا لهذا الطريق.
ذوبان الجليد يغير قواعد اللعبة
ولا يرى التقرير أن التحولات المناخية في القطب الشمالي تمثل قضية بيئية فقط، بل يعتبرها عاملاً يعيد تشكيل الحسابات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للدول.
فذوبان الجليد يفتح مناطق كانت في السابق صعبة أو مستحيلة الملاحة، ويزيد فرص الوصول إلى طرق تجارية وموارد طبيعية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التنافس بين القوى الدولية.
ويخلص "تشاتام هاوس" إلى أن أوروبا وكندا تمتلكان فرصة لتعزيز موقعهما في هذه البيئة المتغيرة عبر الجمع بين البحث العلمي والأمن، محذراً من أن التعامل مع أحدهما بمعزل عن الآخر قد يقود إلى سياسات قصيرة النظر في منطقة تتسم باتساعها وقسوة ظروفها وسرعة تغيرها.
أضف تعليقاً