بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

وظيفة شاغرة.. ولكن!

يوسف أبو الفوز*

قبل أيام، كنت مع شادمان، شريكة حياتي، في لقاءٍ مع صديقة عزيزة. تنوّعت الحكايات والموضوعات، وبين حديث وآخر عرفنا منها أن ابنتها، المتخرجة حديثًا في القانون من إحدى الجامعات الفنلندية، تحلم، مثل كثير من خريجي القانون، بأن تجد لها مكانًا في المحاكم الفنلندية. تبحث بإصرار عن أي وظيفة يمكن أن تبدأ بها طريقها المهني: كاتبة محكمة، موظفة في النيابة العامة، سكرتيرة، باحثة قانونية، أو أي موقع يضع قدمها الأولى في عالم العدالة والقانون. لكن المشكلة أن الوظائف الشاغرة قليلة، والطريق إلى المحكمة، حتى في بلد يحترم القانون والمؤسسات، ليس مفروشًا بالشهادات وحدها.
ومن أجل تخفيف الأمر، قلت لصديقتنا مازحًا:
ـ لماذا كل هذا التعب والبحث؟ إذا كانت كل الوظائف في المحكمة مشغولة، فلتعمل ابنتك "مجرمة"! هكذا ستضمن، بكل تأكيد، مكانًا لها في المحكمة!
ضحكنا.
لكنني، بعد لحظات، اكتشفت أن النكتة ليست مضحكة بالقدر الذي ظننته. فمن المزاح، انتقل بنا الحديث إلى حكايات القانون والعدالة، ثم إلى البلدان التي يحتاج فيها الإنسان إلى شهادة في القانون، تدريب، خبرة، وتنافس طويل، لأجل الحصول على وظيفة في إحدى مؤسسات العدالة. لكن في بلدان أخرى، يبدو أن هناك طريقًا أكثر اختصارًا يتجاوز المحاكم: حاول أن تصبح سياسيًا، كن مجرمًا، وستحصد أضواء المجد والحصانة والنفوذ!
وهنا انتقلت مخيلتي، رغمًا عني، من فنلندا إلى... العراق!
في العراق، لا تحتاج بعض الشخصيات السياسية، كما توضح لنا يوميًا أخبار الفساد والفضائح والاتهامات المتبادلة، إلى البحث طويلًا عن وظيفة في الدولة؛ ففي بعض الحالات يبدو أن الدولة نفسها هي التي تبحث عنهم. يدخل بعضهم عالم السياسة بشعار خدمة الناس، ثم يكتشف أن الخدمة يمكن أن تكون متبادلة: يخدمه المنصب، ويخدم المنصب من حوله، وتصبح الدولة في نهاية المطاف الطرف الوحيد الذي يدفع التكاليف. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث عندما يصبح النفوذ السياسي وسيلةً لحماية صاحب النفوذ من المساءلة القانونية؟
الفرق بين "إجرام" ابنة صديقتنا، الذي مزحنا بشأنه، وبين إجرام من تثبت إدانته بحكم قضائي من رجال الدولة والسياسيين، أن الأولى ــ لو ارتكبت جريمة ــ ستذهب إلى المحكمة، وتخضع لإجراءات التحقيق والمحاكمة، ثم تنال جزاءها وفق القانون في دولة مدنية تديرها المؤسسات ويحكمها الدستور. أما في الحالة الأخرى، في العراق، فإن المشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في العلاقة بين الجريمة وقوى النفوذ. فحين تتشابك المصالح السياسية مع المال العام، وحين تحتمي مراكز النفوذ بالسلاح خارج إطار الدولة، أو بشبكات المصالح التي تعمل بقاعدة (شِيلّني وأشِيلّك)، يتحول القانون من سيدٍ على الجميع إلى ضيفٍ ثقيل على مائدة الأقوياء. والمفارقة أن القانون يفترض فيه العمى أمام الجميع، لا يغطي عينيه فقط عندما يرى صاحب نفوذ! وفي هذه الحالة، ربما كان اقتراحي الساخر لابنة صديقتنا في فنلندا أكثر واقعية مما ينبغي: لا تبحثي عن وظيفة في المحكمة، اصنعي لنفسك قضية! لكنها تعيش في بلد تكون فيه هذه الجملة مجرد نكتة.
أما في العراق، فالمشكلة أن بعض النكات لا تحتاج إلى مقال ساخر، ولا إلى مواطن غاضب، ولا حتى إلى خيال خصب؛ فالواقع نفسه يتكفل بكتابتها، يطبعها، ويوزعها علينا كل مساء في نشرات الأخبار. فالأخطر من سرقة المال العام ليس السرقة وحدها؛ بل تحوّل الفساد إلى منظومة عمل، وتحول الوصول إلى السلطة إلى وسيلةٍ للإفلات من المساءلة. وتتحول الحماية السياسية إلى ما يشبه درعًا واقيًا للمجرمين من آثار المسؤولية الجنائية.
والأسوأ من ذلك رؤية بعض المتهمين ومن تحوم حولهم شبهات الفساد يظهرون على شاشات التلفزيون بوجه الواعظ، ويتحدثون عن مكافحة الفساد، يدينون بوقاحة الفاسدين، ويطالبون بصلافة بتطبيق القانون، وكأن ذاكرتهم السياسية تعرضت فجأةً لعطل فني. ويصل الأمر إلى حديث أحدهم عن حماية المال العام، بينما يتساءل المواطن: أي مال عام تقصد؟ الذي تتحدث عنه الآن، أم الذي تبحث عنه ملفات الأمس؟
هنا يمكن إدراك أن ابنة صديقتنا لم تكن تبحث إلا عن وظيفة، وتريد العمل في مؤسسة من مؤسسات العدالة، أما بعض (ساسة الصدفة) في العراق، فيبدو أنهم وجدوا وظيفة أفضل من كل الوظائف: وظيفة مجرم فاسد.
والفرق بسيط جدًا: هذه الشابة تريد العمل في المحكمة بشكل قانوني، أما هم، فيريدون أن تعمل المحكمة لصالحهم لتجاوز القانون.
المدى*


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً