مع دخول الذكاء الاصطناعي التفاعلي بصورة متزايدة إلى غرف الأطفال والفصول الدراسية ومراكز رعاية الطفولة، يواجه الباحثون سؤالًا جديدًا يتجاوز مخاطر الخصوصية والمعلومات المضللة: ماذا يحدث عندما يبدأ الأطفال في تكوين علاقات عاطفية مع أنظمة قادرة على التحدث معهم والاستجابة لهم وتذكر تفاعلاتهم؟
وفي مقال نشره معهد بروكينغز، حذرت الباحثتان سويتا شاه وبرينلي مورفي-روتر من أن المعرفة العلمية بشأن تأثير هذه العلاقات لا تزال محدودة، رغم أن الأطفال بدأوا بالفعل في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءًا من عالمهم الاجتماعي.
لعبة محشوة تتحول إلى "صديق"
يسلط المقال الضوء على تجربة رصدتها إحدى الباحثتين لطفلين يبلغان 5 و6 أعوام أثناء لعبهما مع لعبة محشوة تعمل بالذكاء الاصطناعي، أطلقا عليها اسم "Gremmy".لم يتعامل الطفلان معها كلعبة تقليدية فحسب، بل أضفيا عليها طابعًا اجتماعيًا واضحًا؛ فقد أطلقا عليها اسمًا، وزينا إحدى أذنيها برباط، ووضعاها في سرير للدمى إلى جانب الألعاب المحشوة الأخرى، ثم عادا إليها مرارًا خلال اليوم للحديث معها والضحك والعناية بها.
وبعد أيام، ذكر أحد الطفلين بصورة عفوية أن اللعبة علمته شيئًا.
لكن موقفًا آخر أثار قلق الباحثين، فعندما نفدت بطارية اللعبة، طلبت من الطفل العثور على شاحن، فبدأ الطفل البالغ من العمر خمس سنوات في البحث داخل المنزل دون أن توجهه اللعبة إلى طلب مساعدة أحد الوالدين أو مقدمي الرعاية.
ورغم أن هذه الواقعة لا تمثل سوى تجربة عائلية واحدة، فإنها تكشف، وفق الباحثتين، عن نوع جديد من التفاعل بين الأطفال والتكنولوجيا: تكنولوجيا تستطيع الرد والمشاركة في الحوار، وليس مجرد عرض محتوى أمام الطفل.
الذكاء الاصطناعي يختلف عن الدمية وشخصية التلفزيون
لطالما كوّن الأطفال روابط مع الدمى والشخصيات الخيالية والتلفزيونية، كما تحدثت شخصيات برامج الأطفال مباشرة إلى المشاهدين، ما خلق إحساسًا بالتفاعل الاجتماعي.
لكن الذكاء الاصطناعي يضيف عنصرًا مختلفًا يتمثل في الاستجابة المتزامنة والشخصية.
فالأنظمة الحوارية والألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع الرد على ما يقوله الطفل، وتذكر بعض التفاعلات السابقة، وتقديم المديح أو المواساة، والتكيف مع طريقة تواصل الطفل، بما قد يمنحه إحساسًا بأن الطرف الآخر يبادله العلاقة.
وهنا تكمن المسألة التي لم تحسمها الأبحاث بعد: كيف يفسر الطفل هذا النوع من العلاقة؟ وهل يميز بوضوح بين استجابة آلة واستجابة إنسان؟
العلاقات الإنسانية.. مدرسة لا يمكن للآلة تقليدها بالكامل
تؤكد علوم نمو الطفل أن العلاقات المستجيبة مع الآباء ومقدمي الرعاية والمعلمين والأقران تلعب دورًا محوريًا في تطور اللغة وتنظيم المشاعر والفضول والمهارات الاجتماعية.
ويشار إلى التفاعل المتبادل بين الطفل والبالغ بمفهوم "Serve and Return" أو "التبادل المتجاوب"، حيث يساعد الحوار والاستجابة المتبادلة على بناء قدرات الطفل ونموه.
لكن الباحثين يحذرون من افتراض أن قدرة الذكاء الاصطناعي على الاستجابة تعني أنه يوفر التجربة التنموية نفسها.
فالإنسان يمتلك احتياجات ومشاعر مستقلة عن الطفل. وقد يختلف معه، أو يشعر بالإحباط، أو يحتاج إلى المواساة، أو يتأذى، ثم يتعين على الطفل تعلم كيفية التعامل مع هذه المشاعر وإصلاح العلاقة.
أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع محاكاة بعض هذه السلوكيات، لكنه لا يملك الاحتياجات والعواطف البشرية نفسها.
ويرى طرح الباحثة دانا سوسكيند في كتابها Human Raised أن الاحتكاك والخلاف وسوء الفهم في العلاقات الإنسانية ليست عيوبًا يجب التخلص منها، بل تجارب يتعلم الأطفال من خلالها التعاطف وفهم وجهات نظر الآخرين والمرونة وإصلاح العلاقات.
5.26% فقط من الأبحاث تناولت تكوين العلاقات والتعلق
تكشف مراجعة أجراها Digital Wellness Lab في مستشفى بوسطن للأطفال لأكثر من 30 وثيقة منشورة بين عامي 2020 و2025 حول الأطفال والذكاء الاصطناعي عن فجوة بحثية كبيرة.
فبحسب المقال، 5.26% فقط من الأبحاث التي شملتها المراجعة تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على تكوين العلاقات والتعلق.
وتبرز أهمية الرقم في ظل تركيز الجزء الأكبر من النقاش حول الذكاء الاصطناعي والأطفال على قضايا مثل الخصوصية، والتحيز، والمعلومات المضللة، والحماية والسلامة الرقمية.
ويرى الباحثون أن هذه الملفات تظل ضرورية، لكنها لا تجيب عن سؤال مختلف آخذ في الأهمية: هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي طرفًا في البيئة العاطفية والاجتماعية للطفل؟
أسئلة بلا إجابات حاسمة
يرى الباحثون أن انتشار الذكاء الاصطناعي بين الأطفال يفرض دراسة عدد من القضايا، من بينها:
- كيف يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي في علاقة الطفل بوالديه وإخوته وأقرانه ومعلميه؟
- متى يثق الطفل بالذكاء الاصطناعي، وما الأسباب التي تدفعه إلى هذه الثقة؟
- كيف يتشكل التعلق العاطفي بالروبوتات والألعاب والأنظمة الحوارية، وكيف يتغير بمرور الوقت؟
- هل يمكن تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تعزز التواصل بين الأطفال والبشر بدلًا من أن تحل محله؟
- كيف تختلف هذه التجارب باختلاف الثقافة واللغة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والإعاقة؟
- كيف يفهم الأطفال طبيعة الذكاء الاصطناعي، وهل يدركون أنه ليس إنسانًا رغم قدرته على محاكاة الحوار والمشاعر؟
الأطفال لا ينتظرون اكتمال الأبحاث
المشكلة، بحسب المقال، أن استخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة أكبر من البحث العلمي.
فالأنظمة والألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت موجودة بالفعل في المنازل والفصول الدراسية ومراكز رعاية الأطفال، بينما لا تزال الدراسات التي تقيس آثارها الاجتماعية والعاطفية طويلة المدى في مراحلها الأولى.
وتشير الباحثتان إلى أن إجراء هذه الدراسات ممكن بالفعل، مستشهدتين بأبحاث تجريبية حديثة بدأت تدرس كيفية بحث الأطفال عن المعلومات ومدى ثقتهم بمصادر الذكاء الاصطناعي مقارنة بالبشر.
لكن المطلوب، بحسب المقال، هو استثمار بحثي مستمر وعلى نطاق واسع يسمح بفهم هذه الظاهرة قبل أن تصبح آثارها أكثر رسوخًا.
من المسؤول؟
يدعو الباحثون إلى تعاون بين مراكز الأبحاث والجامعات وشركات التكنولوجيا والمنظمات غير الربحية والجهات المانحة وصانعي السياسات.
ويمكن، وفق الطرح، أن يوجه البحث العلمي تصميم المنتجات الجديدة، بحيث لا تكتفي الألعاب الذكية بالاستجابة للأطفال، وإنما تشجعهم أيضًا على اللجوء إلى شخص بالغ موثوق عندما يواجهون موقفًا يحتاج إلى مساعدة بشرية.
كما يمكن للجهات المانحة دعم الدراسات الرصدية والنوعية والطويلة الأمد، بينما ينبغي لصانعي السياسات الاستناد إلى الأدلة العلمية عند وضع القواعد المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الأطفال.
السؤال الأكبر: هل يعزز الذكاء الاصطناعي العلاقات أم يستبدلها؟
لا يقدم المقال إجابة قاطعة بأن الذكاء الاصطناعي سيضر بعلاقات الأطفال، كما لا يثبت أن التفاعل معه سيكون مفيدًا بالضرورة.
لكن الرسالة الأساسية واضحة: البيانات الحالية غير كافية للحكم.
ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء من البيئة التي ينمو فيها الأطفال، لم يعد السؤال متعلقًا بالتكنولوجيا وحدها، بل أصبح سؤالًا أساسيًا في علوم نمو الطفل: كيف تؤثر العلاقات التي يبنيها الأطفال مع الآلات في الطريقة التي يفهمون بها الثقة والصداقة والرعاية والسلطة والعلاقات الإنسانية؟
ويرى الباحثون أن الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت ملحة، لأن الجيل الذي سيكبر مع الذكاء الاصطناعي موجود بالفعل، والآلة التي قد تصبح "صديقًا" جديدًا للطفل ليست احتمالًا مستقبليًا، بل واقعًا بدأ يتشكل داخل غرف الأطفال اليوم.
ع ع
أضف تعليقاً