بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الخروج من فخ هرمز: كيف ينبغي أن يكون اتفاق إعادة فتح المضيق؟

نيتيا لاب*

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة غير واضحة المعالم، تتأرجح بين التصعيد والدبلوماسية، وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدمت إيران مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات النووية، مقابل تلبية مجموعة من الشروط، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح، بحسب ما أوردته تقارير.

وفي وقت لاحق، أفادت تقارير بأن الرئيس الأميركي يدرس شن ضربات جديدة على إيران، بينما امتدت تداعيات المواجهة إلى البحر الأحمر، مع استمرار الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثيين ضد السفن.

وفي ظل اتساع الخلاف بين واشنطن وطهران، والتأثير العالمي لإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، فإن أي تسوية محتملة ستحتاج على الأرجح إلى البدء بتفكيك أزمة المضيق، فهل يمكن تحقيق ذلك؟، الإجابة نعم، لكن نجاح أي اتفاق بشأن هرمز يتطلب، قبل كل شيء، عملية دقيقة من الناحية الفنية، متبادلة وقابلة للتحقق، تركز على استعادة حرية الملاحة، ومن غير المرجح أن تتم معالجة الأزمة بصورة فعالة من خلال مذكرة تفاهم غامضة أخرى، أو إدراجها ضمن صفقة سياسية كبرى تشمل جميع الخلافات بين الطرفين.

وضع مضيق هرمز

فرضت طهران ما أعلنته باعتباره "إغلاقاً" لمضيق هرمز، من خلال مطالبة السفن بالعبور عبر المياه الإيرانية، وفرض رسوم عليها، واستهداف سفن تقول إنها انتهكت سياساتها/وأسفر ذلك عن 85 حادثة بحرية ووفاة 24 من أفراد أطقم السفن في أنحاء منطقة الخليج.

وردت الولايات المتحدة بفرض حصار على جميع السفن المرتبطة بإيران، وحتى 28 سبتمبر/أيلول، قامت القوات الأميركية بتحويل مسار 122 سفينة تجارية، وتعطيل ثلاث سفن، والصعود إلى متن سفينتين، كما أنشأت القوات الأميركية مساراً خاصاً بها على الجانب الجنوبي من المضيق.

وأدى ذلك إلى مواجهة غير مستقرة واشتباكات متكررة، في وقت لا تزال فيه مئات السفن عالقة داخل الخليج.

وتظهر بيانات حركة الملاحة أن 16 سفينة فقط عبرت المضيق، يوم الاثنين الماضي، مقارنة بنحو 138 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب، وتركز الجزء الأكبر من حركة الملاحة عبر المسار الشمالي، الواقع ضمن المياه الإيرانية، على سفن مرتبطة بإيران وروسيا والصين، فيما تشتري الصين أكثر من 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية.

وفي المقابل، تشكل السفن التي ترفع علم دولة الإمارات نسبة كبيرة من عمليات العبور التي تحصل على مساعدة أميركية عبر المسار الجنوبي.

وأي ترتيب مستدام سيحتاج إلى إنشاء إجراءات تشغيلية واضحة تحدد مسارات العبور وإحداثياتها، وأهلية السفن، وبروتوكولات الاتصال، وقواعد الملاحة والتفتيش، ومتطلبات الإخطار، وغيرها من التفاصيل.

وكانت إيران وسلطنة عُمان قد اقتربتا في أغسطس/آب من التوصل إلى ترتيب لإدارة حركة الملاحة البحرية في المضيق بصورة مشتركة، وقالت وزارة الخارجية العمانية إن الإطار المقترح سيؤسس ممراً ملاحياً مؤقتاً، ويطلق مشروعاً مشتركاً لإزالة الألغام، ويمهد لاحقاً لترتيبات لتبادل المعلومات.

وكان من المتوقع أن يلتقي قادة من عُمان وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي في مسقط لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، لكن الاجتماع تأجل في سبتمبر/أيلول عقب ضغوط أميركية وتصاعد التوترات في البحر الأحمر.

وتظهر هذه المبادرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لا تتطلب بالضرورة أن تحل الولايات المتحدة وإيران جميع خلافاتهما الأخرى أولاً. لكنها تتطلب إقامة نظام عملي يضمن الملاحة التجارية.

ولتحقيق ذلك، ستكون هناك حاجة إلى مسار لخفض التصعيد يفصل بين الردع والعقاب. ويتعين على كل طرف التوقف عن محاولة توجيه "عقوبات" مفرطة رداً على ما يعتبره أعمالاً عدائية، لأن ذلك لا يؤدي سوى إلى دفع الطرف الآخر نحو مزيد من التصعيد.

جعل الاتفاق ذا مصداقية فنية

كانت مذكرة التفاهم التي جرى الاتفاق عليها في يونيو/حزيران محاولة أولى لإيجاد مخرج دبلوماسي من الأزمة، لكنها عانت من غموض كبير، فلم يصمد وقف إطلاق النار، كما لم يتم التوصل إلى تسوية أوسع خلال المهلة المحددة بـ60 يوماً في المذكرة.

وكان من أبرز أسباب فشل المذكرة غياب التفاصيل الفنية المتعلقة بمضيق هرمز.

فالاتفاق الفعال بشأن المضيق لا يمكن أن يكتفي بالنص على أن حركة السفن التجارية ستستأنف فوراً، بل يجب أن يحدد السفن التي يسمح لها بالعبور والمسارات التي تستخدمها، وما الذي سيحدث في حال انحرفت سفينة عن مسارها المتفق عليه.

كما ينبغي أن يحدد الجهة التي ستوفر المعلومات الملاحية وتتولى التواصل مع شركات النقل التجاري، وأن يوضح كيفية تفاعل السلطات البحرية الإيرانية والعمانية والأميركية والدولية.

وتناولت مذكرة التفاهم بعض هذه القضايا، إلا أن أي ترتيب دائم سيحتاج إلى إجراءات تشغيلية واضحة تحدد المسارات والإحداثيات، وأهلية السفن، وبروتوكولات الاتصال، وقواعد الملاحة والتفتيش، ومتطلبات الإخطار وغيرها.

والأهم من ذلك، يجب أن يميز أي اتفاق بين النشاط التجاري والنشاط العسكري. فالسفن التجارية تحتاج إلى قواعد واضحة ويمكن التنبؤ بها ضمن نظام يحمي الملاحة التجارية، من دون أن يضطر أي من الولايات المتحدة أو إيران إلى الاعتراف بالمطالبات الأوسع للطرف الآخر خارج إطار مضيق هرمز.

خفض التصعيد يجب أن يكون متبادلاً وتدريجياً وقابلاً للتحقق

ينبغي التعامل مع إعادة فتح المضيق باعتبارها عملية متدرجة. فقد كان الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي انتقده الرئيس ترامب بشدة، عملية متعددة السنوات. وأسهمت فرق عمل متخصصة من الجانبين في إعداد الاتفاقات الفنية التي رفعت إلى المستوى السياسي، بما ضمن أن يكون الاتفاق قابلاً للتنفيذ من الناحيتين الفنية والسياسية.

ولا يتعين أن تكون عملية هرمز معقدة أو طويلة إلى الدرجة نفسها، لكنها ستحتاج إلى خبرات فنية متخصصة.

ويجب أن تركز الجهود الأولية لإعادة فتح المضيق على تحقيق الاستقرار في البيئة البحرية. وسيكون على إيران والولايات المتحدة الالتزام بوقف تدريجي ومتبادل للأعمال العدائية في المضيق.

فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران تقليص تدخلاتها في حركة الشحن التجاري وإنشاء إجراءات اتصال متفق عليها. وفي المقابل، يمكن للولايات المتحدة وشركائها تقليص بعض عمليات الحصار، وتقديم تخفيف محدود للعقوبات مرتبط بتحقيق إيران معايير سلوكية محددة.

كما سيكون الاتفاق على إزالة الألغام والملاحة أمراً ضرورياً. وينبغي للفرق الفنية تنفيذ عمليات إزالة الألغام وفق بروتوكول سلامة مشترك، مع إبلاغ شركات النقل التجارية بمواقع المناطق التي جرى تطهيرها وتلك التي لا تزال تحتوي على ألغام.

وينبغي أيضاً إنشاء آلية مشتركة للإبلاغ عن الحوادث، وإلزام السفن باستخدام ممرات ملاحية مؤقتة إلى حين اعتمادها رسمياً باعتبارها آمنة.

ويمكن لمنظمات بحرية مستقلة أن تساعد في التحقق من حالة المناطق التي جرى تطهيرها من الألغام، من دون أن تصبح مسؤولة عن التسوية السياسية نفسها.

ومن شأن الإجراءات المتكررة والمتوقعة في البحر أن تساعد على بناء الثقة بين الولايات المتحدة وإيران وبقية الأطراف الإقليمية. والمفتاح هنا هو التدرج والتحقق. فلا ينبغي أن يعتمد أي تنازل بصورة كاملة على الثقة أو على الالتزامات العامة الواسعة التي تضمنتها مذكرة التفاهم.

آليات متعددة الأطراف للإنفاذ والمراقبة

يمكن للمشاركة متعددة الأطراف أن تؤدي دوراً مهماً في صياغة اتفاق طويل الأمد. فقد اضطلعت عُمان وقطر وباكستان بأدوار رئيسية في الوساطة خلال مراحل مختلفة من الصراع، فيما سعت دول الخليج إلى التوصل إلى ترتيبات تتيح استعادة حركة الملاحة التجارية.

كما نظمت بريطانيا وفرنسا تحالفاً متعدد الجنسيات للمساعدة في استعادة حركة الشحن عبر المضيق.

ويمكن لهذه الدول المساعدة في تنفيذ عملية إعادة الفتح من خلال مراقبة الالتزام بالاتفاق وتوفير الضمانات للأطراف. كما أن وجود قوى داعمة يمكن أن يخلق بيئة تجعل تنفيذ الاتفاق السياسي بالنسبة للولايات المتحدة وإيران أسهل من تقويضه.

ويمكن أن تضم آلية المراقبة ممثلين عن سلطنة عُمان ودول خليجية أخرى، وسلطات بحرية دولية، وخبراء فنيين محايدين. وينبغي أن تكون مهمتها محدودة وذات طابع تشغيلي، مثل مراقبة المسارات المتفق عليها، وتوثيق الحوادث، والإبلاغ عن الانتهاكات.

التنفيذ بدلاً من الصفقة الكبرى

ربما يكون العنصر الأهم في أي اتفاق هو أن يتيح للطرفين تقديم النتيجة باعتبارها حماية لمصالحهما، بحيث يصبح كل تنازل مشروطاً بسلوك الطرف الآخر. وهذا يجعل التعاون أقل خطورة من الناحية السياسية بالنسبة إلى البلدين.

وبالتالي، فإن الخروج من "فخ هرمز" يجب أن يكون من خلال صفقة مصممة بعناية، تمنح الطرفين طريقة عملية وقابلة للتحقق وقابلة للبقاء سياسياً لوقف القتال.

وأظهرت مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران أن العناصر الأساسية لاتفاق أميركي-إيراني ممكنة من الناحية النظرية. لكن انهيارها أظهر أيضاً أن الالتزامات السياسية التي تفتقر إلى آليات تنفيذ قوية وسلطات واضحة لن تكون قادرة على الصمود.

وعلى الاتفاق المقبل أن يستفيد من هذا الدرس.

وقد تشكل الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة وإسرائيل عائقاً أمام إحراز تقدم في إعادة فتح المضيق. كما أن بعض القضايا، مثل فرض إيران رسوماً على السفن، يمكن أن تبقى عقبة سياسية مهمة.

لكن ما لم يتوصل الطرفان إلى آلية مستدامة لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، فإن خطر تجدد المواجهة سيظل قائماً.

* المعهد الملكي للشؤون الدولية


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً