حسن زايد*
هذا المقال لا يهمّك إن لم تزر في حياتك دائرة حكومية لاستخراج ورقة، فتنتظر ساعة وثلثاً، قبل أن يطلب منك الموظّف خلف نافذة كُتب عليها "خدمة الجمهور" مراجعة قسم المحاسبة.
هناك، تدفع ثمن طوابع لم ترها بعينك، وتتسلّم سند قبض يقودك إلى شبّاك (1)، حيث يُختم الوصل ويُطلب منك التوجّه إلى شبّاك (6)، ليخبرك الموظف خلفه، بعد انتظار الدور للمرة الثالثة، أن "السيستم معطّل".
إن كان من الممكن للثورة الرقمية التسرّب إلى دوائر الحكومة من خلال أتمتة المهام، فإنها ستحل محل من أعطاك الدور، وموظفة خدمة الجمهور، والمحاسب، وصاحبة الختم، والمدير العام، وربما الوزير.
لكن موظف شبّاك (6) مُحصَّن بأنّ لديه مهمّة واحدة هي التعطيل، بما في ذلك تعطيل الأتمتة والتحوّل الإلكتروني.
وفي ظل بقاء هذا الموظف خلف شبّاكه المضاد للتغيير، فإنّ كل قرش كان يُسحب من جيبك لمصلحة الحَوكمة سيحتاج إلى أن يُؤخذ منك مثله مرة أخرى، لأنّ الحكومة اكتشفت أنّها مضطرة للدفع مرّتين. في الأولى كتكلفة للأتمتة والتحوّل الرقمي، وفي الثانية كراتبٍ لمن وظيفته أن يعطّله.
حتى الإحصاءات منحازة إلى موظف شبّاك (6)
في أيلول/ سبتمبر 2026، كشف الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون أن استقالته من شركة "أنثروبيك" جاءت نتيجة مخاوف جدّية من تسارع تطوّر هذه التقنية وما قد تعنيه لمستقبل البشرية، محذّراً من أن الأنظمة قد تتفوّق على البشر في اختراق الأنظمة وإحداث تغييرات في البيانات، مع احتمال تشكّل سرب من الروبوتات البرمجية يعمل كحاسوب فائق قادر على السيطرة على الإنترنت خلال سنة على الأكثر.
ليس هدف المقال التشكيك في مخاوف كوكسون أو نفيها أو إثباتها، لكننا، على الأقل هنا، سنطمئنكم إلى أننا في مأمن من ضياع معاملاتنا الحكومية أو تصرّف الروبوتات فيها، أو من قدرة هذه الأسراب الروبوتية على إزاحة موظف شبّاك (6) في معظم دول الجامعة العربية التي تحترف الاقتصاد الرّيعي والبطالة المقنّعة، وتحتل المركز الأول عالمياً في نسبة الوظائف الحكومية إلى سوق العمل، التي تُقدّر، بحسب منظمة العمل الدولية، بنحو 25%، أي ضعف المتوسط العالمي. وفي العراق مثلًا، تصل النسبة إلى 37% من إجمالي الأيدي العاملة، في دولة تعاني من انقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فمع استمرار المتشائمين بالتهويل من مخاطر الذكاء الاصطناعي ووصوله إلى الوظائف المكتبية أولاً، مستندين إلى دراسات وأبحاث لا أنكر صحّتها، مثل الدراسة التي نشرها منتدى الدراسات الإستراتيجية الأردني، والتي حضّت الحكومات على التركيز على استحداث فرص عمل جديدة في القطاعات الأقل عرضة للأتمتة، والتوسع في مجالات الصحة والتعليم والسياحة والصناعات الإبداعية التي يصعب استبدالها، والاستثمار في الطاقة المتجددة والمشاريع العامة التي تخلق وظائف أقل عرضة للاستبدال، ودعم الشركات الناشئة التي توظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية في الزراعة والخدمات اللوجستية والخدمات العامة.
لكن ما يغفله من يعتقد حقاً بزوال وظيفة شبّاك (6)، أن الدراسة نفسها التي استشهد بها جعلتني أبعد ما أكون عن الذعر الذي انتاب كوكسون، إذ بيّنت أن أثر تعرّض الوظائف لخطر الذكاء الاصطناعي يتراجع بانخفاض دخل الدول. وبينما سيهدّد الذكاء الاصطناعي 33% من الوظائف في الدول الغنية، فإن 11% فقط من موظفي الدول منخفضة الدخل، كالتي نعيش فيها، قد يتأثّرون بهذا التهديد.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ موظف شبّاك (6) من ضمن الـ25% الذين يعملون في القطاع العام، واحتمالية أن يواجه تهديداً كبيراً لوظيفته لا تتعدّى 7%، بحسب المنتدى. وهذا يعني أنّ احتمالية أن يفقد صاحبنا وظيفته لا تتجاوز 0.0019%، وهي نسبة قريبة من احتمالية تعرّضك طوال حياتك لحادث دهس مميت، خلال متوسط حياة يبلغ 75 عاماً. فهل نلزم بيوتنا بسبب احتمالية متشائمة كهذه؟
اقتصاد أعقد من أن يفهمه AI
في دول مثل الأردن وسوريا ولبنان ومصر والعراق، حيث الاقتصادات هجينة، ومزيج من بقايا الاشتراكية ومخلّفات الرأسمالية وكثير من الرّيعية، ينتج منها اقتصاد سوريالي حيّر المقرضين والدائنين والصناديق الدولية، ويصعب على الذكاء الاصطناعي تحليله وفهمه ومعرفة كيف يعمل ومن يعمل في ماذا. وإذا كانت الاقتصادات الكبرى، بحسب تقرير لرويترز، قد تنفق 30 مليار دولار حتى عام 2050 في هذا المجال، فإننا، وإلى حين وصولنا إلى مرحلة ضخ استثمارات ومليارات في الذكاء الاصطناعي وانتظاره ليخرج عن سيطرتنا ويلتهم شبّاك (6)، سنحتاج إلى وقت أطول بكثير، وقد لا نرى هذا اليوم، وقد لا يراه من هم بعدنا.
ولنتذكّر فقط أن البشرية واجهت تحديات مشابهة إبّان مراحل الثورة الصناعية، فمن كان يعمل في مهنة الحوذيّ (سائق عربة الخيل) خاف حينها على مهنته من السيارة، لكنّ الحقيقة أن من كان عليه الخوف هو الحصان لا السائق، لأن الأخير في نهاية المطاف بقي سائقاً، لكن لسيارة. وموظف شبّاك (6) يمكنه التأقلم أيضاً ومواكبة التطوّر مهما بلغ، خصوصاً أن هذه المهنة موجودة منذ الدولة العثمانية، ومرّت عليها ثورات صناعية وشعبية ومسلّحة وربيع عربي، ولم تزدها إلا حضوراً.
الحقيقة أن من يجب أن يخاف اليوم هو المُراجِع، فالموظف يمكن الاستثمار فيه للقيام بالمهمة نفسها، وإخبارك بأن السيستم معطّل، عبر إتقانه أدوات ذكاء اصطناعي تساعده في ذلك، أو نقله إلى أرشيف حداثي، حيث يوجد بدلاً من المستندات الكثير من الأقراص المدمجة.
لكن غيابه كلياً عن المشهد يعني أن السيستم قد يعمل، وحينها لن تنفعك صلة قرابة ولا واسطة ولا محسوبية ولا رشوة لتسيير معاملاتك، خصوصاً إذا ما تدرّب هذا السيستم على تعقيدات بيروقراطية تتطلب أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم.
* رصيف22
أضف تعليقاً