بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

تشرين والسلطة الحاكمة في العراق



د. خالد العرداوي
لقد اختزلت تشرين سلسلة احتجاجات الشعب العراقي على فشل الاداء السياسي والحكومي لسلطة ما بعد ٢٠٠٣، فصارت عنوانا لهذه الاحتجاجات ورمزا لها، وتعبيرا عن كل توجه مشروع من المحكوم باتجاه السلطة الحاكمة. ان مشروعية مطالب تشرين جسدها التأييد الذي حظيت به من المؤسسات الدينية وعلى رأسها مرجعية النجف، والمؤسسات الاجتماعية وعلى رأسها شيوخ العشائر والقبائل الكريمة، والنخب الثقافية من المثقفين والاكاديميين واعضاء النقابات المهنية المختلفة، بل وحتى من وقف ضد تشرين واراد اجهاضها جاء بعد ذلك ليقول ان اكثر من ٩٠% من مطالبها مشروعة او حاول عد نفسه جزء من تشرين وانها تمثله او انه يمثلها ... ولم تنحصر تشرين بفئة محددة مهنية او عمرية او اقتصادية او ثقافية او نوعية فقد شارك فيها الجميع بلا استثناء، وجلس الموظف الحكومي الى جنب الكاسب البسيط، والمثقف الجهبذ الى جنب من لا حظ له بالعلم والمعرفة، ورجل الدين الى جنب المحايد دينيا، والغني الى جنب الفقير ...فالكل جمعهم شعار واحد ومطلب واحد هو استعادة وطنهم ليعيشوا فيه بكرامة وسيادة حقيقية وعدالة في توزيع الدخل والثروة والفرص والخدمات.
والسؤال هل كانت تشرين نقية بلا شوائب او اخطاء؟
الجواب كلا، الا اذا اعتبرنا مئات الالوف الذين شاركوا فيها وفي غيرها من الاحتجاجات العراقية ملائكة تمشي على وجه الارض!!، فالاخطاء متوقعة في كل احتجاجات سواء حصلت في دولة متقدمة كفرنسا او المانيا ...الخ او حصلت في دولة حديثة عهد بالديمقراطية كالعراق. ولكن لماذا تتحول الاحتجاجات المطلبية غالبا الى عنف متبادل بين السلطة والشعب؟
الجواب يكمن في فشل السلطة نفسها على مستويين:
المستوى الاول- فشلها في احتواء الاحتجاجات من خلال الاستجابة لمطالبها المشروعة، سواء بالعجز عن تلبية هذه المطالب، او بعدم الرغبة في الاستجابة لها.
المستوى الثاني- فشلها في ابداء الاستعداد للاعتراف بالفشل، والتنازل عن السلطة وتسليمها الى من هو افضل من القادة السياسيين ممن يستطيعون تقديم اداء حكومي أفضل يخدم مصالح الدولة ومطالب الشعب. فمن سكن في قصور السلطة، وذاق لذة سطوتها وامتيازاتها لا يقبل التنازل عنها، ولو علم انه يقود شعبه ودولته الى الهاوية، لاسيما في دولنا العربية والاسلامية التي ألفت مقولة " لو نازعتني الملك لأخذت الذي فيه عينيك".
وعليه، لم تعد تشرين في العراق مجرد مرحلة زمنية محددة، بل تحولت الى شعار للتعبير عن ارادة جميع العراقيين المحبطين من اداء السلطة وخاب أملهم بشخوصها واحزابها وشعاراتها، والراغبين بغد أفضل لبلدهم وشعبهم، ومن الخطأ تخوين هؤلاء واتهامهم بشتى التهم في وقت لا تخفي السلطة عيوبها، ويتبادل قادتها التهم فيما بينهم بالعمالة والفساد والتقصير وارتكاب الجرائم المخجلة. ان تخوين الناس لمجرد قولهم انهم تشرينيون لديهم مطالب مشروعة هو من اكبر الاخطاء التي يرتكبها السياسي، بل ومن اقذر الاساليب التي يلجأ اليها في التعاطي مع الاختلاف في الرأي والموقف، اما السلطة الحكيمة والعاقلة فهي تلك التي عندما تجد انها على خطأ تتراجع وتعترف بخطأها، وعندما تعجز عن الاستجابة لتلك المطالب تفسح المجال لغيرها في القيادة والادارة، وتحمي شعبها من الوقوع ضحية الاختراق الاجنبي والاجندات الخارجية والداخلية المشبوهة، او يقع ضحية الحمقى والتافهين والجهلة وعصابات الجريمة الارهابية والمنظمة وتجار الرقيق.
ربما تكون تشرين لعام ٢٠١٩ قد اجهضت او تم الالتفاف عليها ولكن مطالبها المشروعة لا زالت قائمة يشعر بها كل رب اسرة يواجه تحديات صعبة في الحفاظ على كرامة اسرته، وكل أب يرغب في مستقبل أفضل لأبنائه، وكل شاب لا يريد ان يذهب عمره هدرا بين البطالة والفقر، وكل مواطن يريد ان يرى دولته هي الافضل بين دول العالم، وكل محكوم يبحث عن عدالة السلطة قبل انتمائها المذهبي والاثني والعشائري، وكل مثقف وعالم يتطلع الى مساحة كافية من الحرية والقبول ليلعب فيها دوره ويبدع فيما تجود به قريحته ... ومن يقف بوجه هؤلاء كارها لهم ومتهما اياهم ومشوها لنواياهم السليمة بما لا يليق فانه طاغية احمق، ومتطرف جاهل، وطالب سلطة اعمت بصيرته الغنائم فلم يعد يقبل الحقائق اي كانت.
وعليه اذا اردنا ان نبني الانسان والدولة في العراق فعلينا حكاما ومحكومين ان نكون بمستوى المسؤولية والالتزام الاخلاقي بحماية العراق وتصحيح مسار السلطة السياسي والدستوري ليكون لكل العراقيين.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً