بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
علوم وتكنولوجيا

هل تتحول الخوارزميات إلى سلطة تتجاوز صوت المريض؟

د. عميد خالد عبد الحميد*

مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض وتقدير مخاطرها، تبرز تساؤلات أخلاقية وفلسفية بشأن حدود الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات الطبية، ومدى قدرتها على مراعاة التجربة الإنسانية للمريض، في ظل مخاوف من أن تطغى التقديرات الرقمية على الأعراض التي يصفها المريض ومعاناته اليومية.

وتتمثل إحدى أبرز هذه الإشكاليات في مفهوم الظلم المعرفي، الذي يشير إلى عدم منح الإنسان المصداقية التي تستحقها شهادته أو تجربته، وهو ما قد يظهر في البيئة الطبية عندما تحظى نتائج الأنظمة الذكية بثقة تفوق ما تحظى به رواية المريض عن حالته الصحية.

الخوارزميات بين دقة التشخيص وتجربة المريض

يستند مفهوم الظلم المعرفي إلى إطار فلسفي قدمته الفيلسوفة البريطانية ميراندا فريكر عام 2007، وميّزت فيه بين الانتقاص من مصداقية شهادة الإنسان بسبب الأحكام المسبقة، وافتقاره إلى المفاهيم التي تساعده على فهم تجربته والتعبير عنها.

وفي المجال الطبي، تزداد أهمية هذا المفهوم مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الفحص، إذ أصبح الطبيب يتعامل مع ثلاثة مصادر للمعرفة، هي تجربة المريض الشخصية، والخبرة السريرية للطبيب، والبيانات والتقديرات التي تنتجها الخوارزميات.

وبينما يستطيع المريض وصف الألم والتغيرات التي يشعر بها، يعتمد الطبيب على الفحص السريري والأدلة العلمية، في حين تحلل الأنظمة الذكية كميات كبيرة من البيانات لاكتشاف الأنماط وتقدير احتمالات الإصابة بالأمراض.

غير أن اختلاف طبيعة هذه المصادر يفرض ضرورة التعامل معها بصورة متكاملة، من دون منح أي منها سلطة مطلقة؛ فالتقديرات الخوارزمية قد تساعد على اكتشاف مؤشرات يصعب رصدها، لكنها لا تستطيع وحدها الإحاطة بجميع تفاصيل التجربة الإنسانية للمريض.

التشكيك الخوارزمي.. عندما يفقد المريض ثقته بتجربته

ومن الإشكاليات التي برزت في النقاشات الفلسفية المتعلقة بالطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ما يُعرف بالتشكيك الخوارزمي، وهو وصف لحالة قد تدفع فيها الهيمنة المتكررة للتقديرات الآلية المريض إلى التشكيك في إدراكه لأعراضه ومعاناته.

وتظهر هذه المشكلة عندما يواصل المريض الشكوى من أعراض مستمرة، بينما تصنفه الأنظمة الذكية ضمن فئة منخفضة الخطورة، فيتعامل الطبيب مع النتيجة الآلية باعتبارها حكماً نهائياً، بدلاً من مراجعتها في ضوء الأعراض والفحوص والسياق الصحي الكامل.

وفي مثل هذه الحالات، قد يتساءل المريض عن مدى دقة ما يشعر به، أو يعتقد أنه يبالغ في وصف معاناته، الأمر الذي قد يضعف ثقته بنفسه وبالعلاقة العلاجية، ويجعله أقل استعداداً للتعبير عن الأعراض مستقبلاً.

ولا يعني ذلك أن الخوارزميات تتعمد تضليل المرضى، بل إن الخطر يرتبط بطريقة استخدامها، ومدى الثقة الممنوحة لمخرجاتها، واحتمال تأثرها ببيانات غير ممثلة لجميع الفئات السكانية، فضلاً عن محدودية الشفافية في بعض الأنظمة.

هل يعني الاختلاف مع الخوارزمية وقوع ظلم معرفي؟

لا يُعد كل اختلاف بين تقديرات الذكاء الاصطناعي ورواية المريض دليلاً على وقوع ظلم معرفي، إذ يمكن للخوارزمية أن تكشف مؤشرات مرضية لا تظهر بوضوح خلال التقييم الأولي، كما قد تقدم تقديرات أكثر دقة في بعض الحالات.

وفي المقابل، فإن احترام تجربة المريض لا يعني اعتماد تفسيره الشخصي للأعراض باعتباره تشخيصاً نهائياً، بل يستلزم الاستماع إليه وفحص شكواه ومقارنتها بالأدلة العلمية المتاحة.

ويتمثل التحدي في إيجاد توازن بين هذه المصادر، بحيث لا تتحول النتائج الرقمية إلى بديل عن الحكم السريري، ولا تُهمّش شهادة المريض لمجرد اختلافها مع التوقعات الحسابية.

ومن هذا المنطلق، ترتبط العدالة المعرفية بقدرة الطبيب على مراجعة توصيات الأنظمة الذكية، وتفسير أسباب الاختلاف بينها وبين الأعراض التي يصفها المريض، واتخاذ القرار بناءً على تقييم شامل للحالة.

حوكمة الذكاء الاصطناعي لحماية حقوق المرضى

ولا تقتصر معالجة هذه الإشكالية على سلوك الطبيب داخل العيادة، بل تتطلب إجراءات مؤسسية تضمن استخدام الأنظمة الذكية بصورة مسؤولة، بدءاً من اختبارها على فئات سكانية متنوعة، وصولاً إلى مراقبة الانحيازات المحتملة وتدريب العاملين الصحيين على فهم حدودها.

كما تبرز أهمية توثيق الحالات التي تتعارض فيها توصيات الخوارزميات مع التقييم السريري، وإتاحة المجال لمراجعة النتائج والاعتراض عليها، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أحكاماً نهائية غير قابلة للنقاش.

ويُعد الحفاظ على التواصل بين الطبيب والمريض عاملاً أساسياً في هذا السياق، إذ ينبغي أن تتيح العلاقة العلاجية للمريض شرح الأعراض والتغيرات التي يلاحظها، وأن يأخذ الطبيب هذه المعلومات على محمل الجد، حتى عندما لا تتطابق مع المؤشرات التي تقدمها الأنظمة الرقمية.

نحو شراكة تجمع الإنسان والتكنولوجيا

يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة أمام تطوير التشخيص والتنبؤ بالأمراض وتخصيص العلاجات، غير أن نجاحه في المجال الصحي لا يرتبط بالدقة الإحصائية وحدها، بل بقدرته على دعم القرار الطبي من دون الانتقاص من دور الطبيب أو تهميش تجربة المريض.

فالخوارزمية تستطيع اكتشاف أنماط قد تغيب عن التقييم البشري، والطبيب يمتلك الخبرة اللازمة لتفسير النتائج ضمن السياق السريري، فيما يقدم المريض معلومات مباشرة عن تجربته وأعراضه وتغيرات حالته الصحية.

وبناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الإنسان والآلة، بل في بناء منظومة رعاية صحية تستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على حق المريض في أن يُسمع صوته وأن تُقيّم شكواه بجدية.

وفي ظل التطور المتسارع للتقنيات الطبية، تبقى العدالة في اتخاذ القرار شرطاً أساسياً لضمان ألا تتحول الأرقام إلى المعيار الوحيد للحقيقة، وأن تظل التكنولوجيا أداة لتحسين الرعاية الصحية، لا وسيلة لتقليص دور الإنسان فيها.

*صحيفة الشرق الاوسط


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً