بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الموضة الاستراتيجية.. كيف تتحول المصطلحات العسكرية الرائجة إلى عدسات تحجب فهم الحروب؟

لم تعد دراسة الحروب والصراعات المعاصرة تقتصر على تحليل القدرات العسكرية وحسابات القوة وموازين الردع، بل باتت تتأثر أيضاً بالمصطلحات والمفاهيم التي تُستخدم لتفسير التحولات الدولية وتحديد طبيعة التهديدات. فمصطلحات مثل الحرب الهجينة، والمنطقة الرمادية، والتنافس بين القوى العظمى، وحرب المعلومات، أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والعسكري والأكاديمي، حتى تحولت في بعض الأحيان إلى أطر جاهزة تُفسَّر من خلالها معظم الأحداث الدولية.

لكن السؤال الذي تطرحه الباحثة في قسم دراسات الحرب بكلية كينغز لندن الدكتورة كيارا ليبسيلر في بحث نشره معهد الدراسات الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) وترجمته وكالة النبأ ، ، يتجاوز مدى دقة هذه المصطلحات أو حداثتها، ليصل إلى تأثيرها في طريقة التفكير الاستراتيجي: هل تساعد هذه المفاهيم على فهم الواقع بصورة أعمق، أم أنها قد تتحول إلى قوالب تضيق مساحة التحليل وتدفع صناع القرار إلى رؤية الأحداث من زاوية واحدة؟

في حوارها تناقش ليبسيلر ظاهرة ما تصفه بالموضة الاستراتيجية، مشيرة إلى أن انتشار بعض المفاهيم لا يرتبط بالضرورة بكونها تصف ظواهر جديدة، وإنما قد يكون نتيجة أزمة معرفية تظهر عندما تعجز الأطر التقليدية عن تفسير حدث مفاجئ أو تطور لم يكن متوقعاً. وفي مثل هذه الظروف، يبرز مصطلح جديد ليقدم تفسيراً لما حدث، ثم يتسع استخدامه تدريجياً حتى يصبح إطاراً سائداً في النقاشات السياسية والعسكرية.

المصطلحات الجديدة.. استجابة لأزمات الفهم

توضح ليبسيلر أن تأطير الأحداث بالكلمات والمفاهيم ليس عملية محايدة، إذ يؤثر في كيفية إدراك الوقائع وفهمها، ومن ثم في طبيعة الاستجابات السياسية والاستراتيجية التي تُبنى عليها. فعندما يُقدَّم العالم باعتباره يعيش مرحلة غير مسبوقة من الخطورة أو التنافس، فإن هذا التصوير قد يُستخدم لتبرير تبني سياسات جديدة أو تخصيص موارد إضافية أو إعادة ترتيب الأولويات.

وتلفت إلى أن وصف المرحلة الراهنة بأنها استثنائية ليس أمراً جديداً في التاريخ، إذ تكررت مثل هذه التصورات في مراحل مختلفة، الأمر الذي يستدعي التعامل بحذر مع الادعاءات التي تقدم كل مرحلة تاريخية باعتبارها مختلفة جذرياً عما سبقها.

وتكمن المشكلة، وفق هذا الطرح، في أن المفهوم الذي يُستخدم في البداية لتفسير جانب محدد من الواقع قد يتحول لاحقاً إلى عدسة شاملة، تُدرج تحتها أحداث وتطورات مختلفة، حتى عندما لا يكون ذلك الإطار مناسباً لفهمها. وبهذا لا يقتصر أثر المصطلح على تبسيط الواقع، بل قد يمتد إلى تهميش زوايا أخرى ضرورية لفهمه.

الحرب الهجينة.. من تفسير المفاجأة إلى إطار شامل

تقدم ليبسيلر مفهوم الحرب الهجينة مثالاً واضحاً على دورة حياة المصطلحات الاستراتيجية. فقد ظهر المفهوم في النقاشات العسكرية قرابة عام 2007، لكنه اكتسب انتشاراً واسعاً عقب ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، عندما واجهت المؤسسات الغربية تطوراً استراتيجياً لم يكن منسجماً مع تصوراتها السابقة عن طبيعة الصراع.

وفي هذا السياق، استُخدم المصطلح لتفسير مزيج الأدوات التي ارتبطت بالتحرك الروسي، ولتوضيح الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف وسائل عسكرية وغير عسكرية ضمن سياق واحد. وترى ليبسيلر أن انتشار المفهوم ارتبط بأزمة معرفية تمثلت في عدم القدرة على تفسير الحدث باستخدام الأطر القائمة، فضلاً عن وظيفته السياسية في تفسير عدم الاستعداد الغربي لهذا التطور وتبرير الحاجة إلى مراجعة السياسات والقدرات.

غير أن الإشكالية ظهرت عندما تحول المفهوم من وسيلة لتفسير مجموعة من الأدوات إلى سردية شاملة تُقرأ من خلالها مختلف التحركات الروسية. فبدلاً من تحليل كل أداة على حدة، بات من الممكن جمع أنشطة متباينة تحت عنوان الحرب الهجينة، الأمر الذي يقلل من دقة التقييم ويجعل تحديد طبيعة التهديد والاستجابة المناسبة له أكثر صعوبة.

وتشدد ليبسيلر على أن الحرب الهجينة، بصرف النظر عن تعريفاتها المتعددة، ليست ظاهرة جديدة بالكامل في التاريخ، وأن الأهم ليس إطلاق تسمية جديدة عليها، بل تفكيك الأدوات المستخدمة وفهم طبيعتها، وما إذا كانت تُنفذ بصورة مباشرة أو عبر أطراف أخرى، ومدى ارتباط تلك الأطراف بالجهة التي يُنسب إليها النشاط.

من مكافحة التمرد إلى تعميم التجارب العسكرية

ولا تقتصر الظاهرة على مفهوم الحرب الهجينة، إذ تستحضر ليبسيلر تجربة مكافحة التمرد، التي عادت إلى الواجهة مع تعثر المقاربات العسكرية التقليدية في التعامل مع أعمال العنف الشعبي في العراق وأفغانستان.

فقد ظهرت عقيدة مكافحة التمرد بوصفها إطاراً جديداً لتفسير أسباب تعثر العمليات العسكرية والبحث عن أساليب بديلة لتحقيق النجاح، مستندة إلى مبادئ وتجارب تاريخية قُدمت باعتبارها قادرة على معالجة التحديات القائمة.

لكن تحول هذا المفهوم إلى اتجاه واسع الانتشار أدى إلى التعامل مع التجربتين العراقية والأفغانية أحياناً ضمن إطار متقارب، وافتراض إمكانية نقل ما تحقق من نتائج في إحدى الحالتين إلى الأخرى، دون إعطاء السياق المحلي والاجتماعي والسياسي ما يستحقه من اهتمام.

وترى ليبسيلر أن هذا التعميم يكشف إحدى أبرز مشكلات الموضة الاستراتيجية، وهي إهمال الاختلافات بين البيئات التي تُطبق فيها المفاهيم. فما قد ينجح في حالة معينة لا يعني بالضرورة نجاحه في حالة أخرى، لأن الصراعات تتأثر بعوامل متعددة، ولا يمكن اختزالها في مجموعة مبادئ أو وصفات جاهزة.

وتشير هذه التجربة إلى أن المفاهيم الرائجة لا تكتفي أحياناً بتفسير الأحداث، بل قد تتحول إلى حلول مسبقة يُفترض أن تكون صالحة لمواجهة أزمات مختلفة، وهو ما قد يقود إلى تكرار الأخطاء بدلاً من تجاوزها.

التنافس بين القوى العظمى.. منظور لا يفسر العالم كله

وتنتقل المناقشة إلى مفهوم التنافس بين القوى العظمى، الذي أصبح إطاراً واسع الاستخدام في تفسير التحولات الدولية الراهنة، ولا سيما مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

وتحذر ليبسيلر من أن اعتماد هذا المفهوم بوصفه تفسيراً شاملاً للعلاقات الدولية قد يؤدي إلى إغفال صراعات وتفاعلات أخرى لا تقع بالضرورة ضمن نطاق تنافس القوى الكبرى، أو لا ترتبط مباشرة بالمناطق الجغرافية التي تتركز فيها مصالح تلك القوى.

كما تلفت إلى أن الحديث عن عودة الجغرافيا السياسية أو عودة سياسات القوى العظمى لا يعكس بالضرورة حقيقة تاريخية دقيقة، لأن هذه الظواهر لم تختفِ أصلاً، وإنما تراجعت أهميتها في بعض النقاشات الأوروبية خلال فترات معينة، قبل أن تعود إلى واجهة الاهتمام مع تصاعد التحديات التي تمثلها روسيا والصين.

وتطرح ليبسيلر كذلك مسألة التحيز في المنظور الغربي، مشيرة إلى أن تقييم التحركات الدولية قد يتأثر بالجهة التي تقوم بها، بحيث لا تُفسر تصرفات القوى المختلفة دائماً بالمعايير نفسها. كما أن الاقتصار على قراءة العالم من وجهة نظر غربية قد يؤدي إلى تجاهل الطريقة التي ترى بها الدول المنافسة والفاعلون الآخرون النظام الدولي ومصالحهم الاستراتيجية.

ومن هنا تبرز أهمية توسيع زاوية التحليل لتشمل وجهات نظر دول الجنوب العالمي، وعدم افتراض أن التصورات الغربية تمثل بالضرورة قراءة شاملة للتحولات الدولية.

 الوجه الآخر للموضة الاستراتيجية

وعلى الرغم من انتقاداتها لهذه الظاهرة، لا تنفي ليبسيلر أن المصطلحات الرائجة قد تؤدي وظائف سياسية واتصالية مفيدة. فهي تساعد الحكومات والمؤسسات العسكرية على تبسيط القضايا المعقدة، وتوضيح أهداف السياسات الدفاعية، وحشد الموارد، وبناء قدر من التفاهم بين الحلفاء والمؤسسات المختلفة.

لكنها تميز بوضوح بين استخدام المفهوم أداةً للتواصل والتعبئة، وبين اعتماده أساساً للتحليل العلمي وصناعة القرار. فالمصطلح الذي ينجح في جمع الأطراف حول هدف مشترك قد لا يكون بالضرورة دقيقاً بما يكفي لتفسير الوقائع أو تحديد طبيعة التهديدات.

وتظهر هذه المشكلة، بحسب النقاش، حتى في مفاهيم مثل التكامل والتحول والعمليات متعددة المجالات، إذ يمكن أن تتبناها مؤسسات ودول مختلفة، لكنها قد تفهمها وتطبقها بطرق متباينة. وعندما يتحول المصطلح من وسيلة لتحقيق هدف إلى هدف قائم بذاته، تصبح المؤسسة منشغلة بإثبات تبنيها للمفهوم أكثر من اهتمامها بتحقيق النتائج التي يفترض أن يقود إليها.

الحرب أعقد من أن تختصرها تسمية واحدة

تصل المناقشة إلى نقطة جوهرية تتعلق بطبيعة الحرب والاستراتيجية، وهي أن المفاهيم الرائجة غالباً ما تركز على جانب واحد من جوانب الصراع، مثل التكنولوجيا أو السكان أو المعلومات أو الأدوات الاقتصادية وغير العسكرية.

وتستند ليبسيلر في هذا السياق إلى أبعاد الاستراتيجية السبعة عشر التي طرحها المفكر كولن غراي، لتوضيح أن الاستراتيجية لا تقوم على عنصر منفرد، بل تتشكل من تفاعل مجموعة واسعة من العوامل والأبعاد، بما في ذلك الظروف السياسية والعسكرية والاجتماعية والجغرافية، فضلاً عن الاحتكاك والفوضى والعوامل التي يصعب التحكم بها.

ومن هذا المنطلق، فإن اختزال الحرب في مفهوم واحد قد يولد انطباعاً مضللاً بإمكانية السيطرة عليها من خلال امتلاك تقنية محددة أو تطبيق عقيدة معينة أو تبني نموذج استراتيجي جاهز.

وتحذر ليبسيلر من أن مثل هذه التفسيرات قد تمنح صناع القرار شعوراً زائفاً باليقين، في حين أن طبيعة الحروب تفرض التعامل مع متغيرات متداخلة لا يمكن احتواؤها ضمن تفسير أحادي السبب أو وصفة ثابتة.

نحو تفكير استراتيجي أكثر دقة

إن أبرز ما تطرحه هذه المناقشة ليس الدعوة إلى التخلي الكامل عن المصطلحات الاستراتيجية الحديثة، وإنما التحذير من تحويلها إلى قوالب فكرية تحكم فهم الواقع وتحد من القدرة على رؤيته بصورة متعددة الأبعاد.

فالمطلوب، وفق الطرح الذي تقدمه ليبسيلر، هو الانتقال من الاكتفاء بتسمية الظاهرة إلى تحليل مكوناتها، وتحديد الأدوات المستخدمة فيها، وفهم السياقات التي تتحرك ضمنها، ومراجعة الافتراضات التي تستند إليها التقديرات الاستراتيجية بصورة مستمرة.

كما أن تنويع وجهات النظر، ومحاولة فهم حسابات الأطراف الأخرى وخلفياتها، يمثلان عنصرين أساسيين في بناء قراءة أكثر اتزاناً للتحولات الدولية. فالنظر إلى العالم من زاوية واحدة قد يجعل بعض الأحداث تبدو مفاجئة أو غير قابلة للتفسير، بينما يمكن أن تتضح جوانب منها عند إدراجها في سياقات تاريخية وسياسية أوسع.

وفي المحصلة، تكشف هذه القراءة أن خطورة الموضة الاستراتيجية لا تكمن في ظهور المصطلحات الجديدة بحد ذاته، بل في تحولها إلى بدائل عن التفكير والتحليل. فالمفهوم قد يكون مفيداً في وصف جانب من الواقع، لكنه يصبح عائقاً عندما يُستخدم لتفسير كل شيء. والحرب، بما تحمله من تفاعلات ومصالح ومتغيرات، لا يمكن فهمها من خلال تسمية واحدة أو نظرية تقدم نفسها بوصفها الحل الشامل.

س ع

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً