بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
تنمية

الطاقة الشمسية تعيد رسم مستقبل الزراعة العراقية.. من ريّ البساتين إلى تصنيع التمور

يمتلك العراق واحداً من أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم، لكن هذا المورد لا يزال محدود الاستخدام في قطاعه الزراعي والصناعات المرتبطة به، رغم ما يمكن أن يوفره من بدائل لتشغيل مضخات الري وتقليل الاعتماد على الوقود والكهرباء التقليدية، فضلاً عن تشغيل معدات تجفيف التمور وتصنيعها.

وتكتسب هذه الإمكانات أهمية متزايدة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتذبذب إمدادات الكهرباء وتراجع الموارد المائية، وهي عوامل تضع المزارعين وأصحاب المنشآت الغذائية أمام تحدي تأمين الطاقة اللازمة لاستمرار العمل، ولا سيما خلال مواسم الري والحصاد والتصنيع.

وبحسب تقييم الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) الصادر في تموز 2025، يتراوح الإشعاع الشمسي الأفقي في العراق بين 1550 و2130 كيلوواط ساعة للمتر المربع سنوياً، بمتوسط يبلغ نحو 1970 كيلوواط ساعة، ما يجعل معظم مناطق البلاد مؤهلة للاستفادة من أنظمة الطاقة الشمسية، مع تسجيل مستويات أعلى في المناطق الجنوبية.

وتشير بيانات العراق المقدمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ضمن تقرير المساهمات المحددة وطنياً لعام 2025، إلى أن أكثر من 98% من الكهرباء المنتجة في البلاد خلال عام 2024 اعتمدت على النفط والغاز، فيما لم تتجاوز مساهمة الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة الأخرى، باستثناء الطاقة الكهرومائية، 0.3% من إجمالي التوليد. ويعكس ذلك محدودية دخول الطاقة الشمسية إلى منظومة الكهرباء، رغم الإمكانات المتاحة لتوسيع استخدامها في القطاعات الإنتاجية.

وفي القطاع الزراعي، بدأت مشاريع ميدانية بالاستفادة من الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه وتقليل الاعتماد على مولدات الديزل، التي تفرض أعباء مالية متكررة على المزارعين، فضلاً عن تكاليف الصيانة والأعطال والانبعاثات الناتجة عن احتراق الوقود.

وفي الأول من تشرين الثاني 2026، أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن مشروعاً ينفذه في جنوب العراق، بدعم من الحكومة اليابانية، وفر قدرة تشغيلية للطاقة الشمسية بلغت 155.6 كيلوواط لأنظمة الري، بالتزامن مع إدخال تقنيات ري حديثة، وأسهم في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بما يقدر بنحو 218 طناً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

وقال البرنامج إن المشروع ساعد المزارعين على تقليل نفقات الوقود وصيانة المعدات، وتحسين كفاءة استخدام المياه من خلال الجمع بين المضخات الشمسية وتقنيات الري بالرش، بما أتاح استعادة زراعة مساحات كانت تواجه صعوبات بسبب شح المياه.

وسبق لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نفذت مبادرة لدعم أنظمة ضخ المياه الجوفية بالطاقة الشمسية في المناطق المحررة بمحافظتي نينوى وصلاح الدين، استهدفت توفير 40 منظومة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية لأسر زراعية، وتحسين دخل وإنتاج 120 أسرة، بكلفة بلغت 625 ألف دولار، وبتمويل من الحكومة اليابانية.

وهدفت المبادرة، التي نُفذت خلال الفترة من 2019 إلى 2020، إلى تحسين وصول المزارعين إلى مياه الري وتعزيز إنتاجية المياه، إلى جانب تدريب ممثلي الأسر المستفيدة على ممارسات الإدارة المستدامة للموارد المائية.

وفي تجربة بحثية عراقية أحدث، نشرتها مجلة العلوم الزراعية في جامعة المثنى في حزيران 2026، جرى تقييم منظومتين متطابقتين للري بالطاقة الشمسية في مزرعتين إرشاديتين تابعتين لوزارة الزراعة، إحداهما في الموصل والأخرى في كربلاء.

وتضمنت كل منظومة ألواحاً شمسية بقدرة 15 كيلوواط، مكونة من 26 لوحاً بقدرة 580 واط للوح الواحد، لتشغيل مضخة سطحية بقدرة 15 حصاناً. وأظهرت نتائج الرصد خلال أشهر الشتاء، من تشرين الثاني إلى كانون الثاني، أن كمية المياه التي ضختها المنظومة في كربلاء تجاوزت نظيرتها في الموصل بنحو 10 إلى 15% في المتوسط، رغم تطابق مواصفات النظامين، وهو ما عزاه الباحث إلى اختلاف ظروف الإشعاع الشمسي وساعات التشغيل الفعلية بين الموقعين.

وتشير الدراسة إلى أن كفاءة أنظمة الضخ الشمسي لا تعتمد على قدرة الألواح وحدها، بل تتأثر أيضاً بموقع المشروع والظروف المناخية وعمق المياه ومتطلبات الضخ، ما يجعل إجراء الدراسات الفنية قبل تركيب المنظومات عاملاً أساسياً لتحديد حجم الاستثمار والعائد المتوقع.

ولا تقتصر فرص استخدام الطاقة الشمسية على مضخات الري، إذ تمتد إلى معامل فرز التمور وغسلها وتجفيفها وتعبئتها وتصنيع منتجاتها، وهي مراحل تتطلب إمدادات كهربائية وحرارية مستقرة، خصوصاً خلال مواسم الحصاد التي ترتفع فيها الحاجة إلى تشغيل خطوط الإنتاج والتبريد والتخزين.

ويحظى قطاع النخيل بأهمية اقتصادية خاصة في العراق، إذ اختارت منظمة الأغذية والزراعة النخيل منتجاً زراعياً ذا أولوية ضمن مبادرة "بلد واحد، منتج واحد"، مشيرة إلى أن إنتاج التمور العراقية بلغ 735.4 ألف طن عام 2022. وتعمل المنظمة ضمن المبادرة على تطوير سلسلة القيمة من خلال تحسين الممارسات الزراعية وعمليات ما بعد الحصاد والتعبئة والتسويق، بما يرفع جودة المنتج ويقلل الفاقد ويعزز فرص التصدير.

ويمكن للطاقة الشمسية أن تدخل في هذه السلسلة عبر نوعين من التطبيقات؛ الأول يتمثل في الألواح الكهروضوئية التي تحول ضوء الشمس إلى كهرباء لتشغيل الآلات والمضخات وأنظمة التبريد والتعبئة، والثاني يعتمد على المجمعات الحرارية التي تستخدم الإشعاع الشمسي لتسخين الهواء وتجفيف التمور، بما يقلل الحاجة إلى الوقود أو الكهرباء المستخدمة في إنتاج الحرارة.

وتوفر المجففات الشمسية غير المباشرة خياراً تقنياً مهماً، إذ تسخن الهواء داخل مجمع شمسي ثم تمرره عبر غرف التجفيف، بدلاً من تعريض التمور لأشعة الشمس المباشرة. ويساعد هذا الأسلوب على التحكم بدرجة الحرارة وتدفق الهواء، وتحسين ظروف التجفيف وتقليل تعرض المنتج للغبار والتلوث والعوامل الخارجية.

وفي دراسة منشورة في مجلة "الطاقة المتجددة" في كانون الأول 2023، اختبر باحثون مجففاً يجمع بين الطاقة الشمسية والكهرباء لتجفيف التمور عند درجات حرارة تراوحت بين 50 و65 درجة مئوية. وأظهرت النتائج أن حصة الطاقة الشمسية بلغت 63.2% من الطاقة المستخدمة عند درجة تجفيف 60 درجة مئوية، مقابل 36.8% للطاقة الكهربائية، فيما سجل النظام كفاءة إكسرجية بلغت 73% عند درجة حرارة 50 درجة مئوية.

ورغم أن هذه التجربة لا تمثل مشروعاً صناعياً عراقياً، فإنها تقدم نموذجاً تقنياً يمكن الاستفادة منه عند تصميم وحدات تجفيف التمور في العراق، مع ضرورة تكييفها وفق الأصناف المحلية ومتطلبات الجودة والرطوبة ودرجات الحرارة المناسبة لكل مرحلة من مراحل التصنيع.

وتبرز إمكانية أخرى في الاستفادة من مخلفات التمور، مثل النوى والمواد العضوية المتبقية من عمليات التصنيع، لإنتاج الغاز الحيوي واستخدامه مصدراً مكملاً للطاقة الشمسية، بما يتيح إنشاء منظومات هجينة توفر الكهرباء والحرارة لمعامل التصنيع، وتقلل الاعتماد على الشبكة الوطنية أو المولدات التقليدية.

وفي هذا الإطار، نشرت مجلة "الوقود الحيوي والمنتجات الحيوية والتكرير" في تشرين الثاني 2025 دراسة تناولت الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية لمنظومة طاقة هجينة مقترحة لتشغيل معمل لإنتاج دبس التمر في العراق، باستخدام برنامج المحاكاة "HOMER Pro".

وافترضت الدراسة معملاً بطاقة إنتاجية تبلغ 500 كيلوغرام في الساعة، وصممت منظومة تضم ألواحاً شمسية بقدرة 980 كيلوواط، ومولدات للغاز الحيوي بقدرة 500 كيلوواط، وخلايا وقود بقدرة 180 كيلوواط، إلى جانب بطاريات ومحولات ومحللات كهربائية لإنتاج الهيدروجين.

وأظهرت نتائج المحاكاة أن أحد السيناريوهات المقترحة يمكن أن يوفر الطاقة بكلفة تبلغ 0.0978 دولار للكيلوواط ساعة، وبكلفة رأسمالية صافية حالية تقدر بنحو 2.08 مليون دولار، مع خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 99.98% مقارنة بالسيناريو المرجعي الذي اعتمدته الدراسة.

لكن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج تمثل مخرجات نموذج فني واقتصادي، وليست قياسات لمنشأة عراقية قائمة تعمل بهذه المواصفات، ما يعني أن تطبيقها عملياً يحتاج إلى تقييم كلفة المعدات والوقود الحيوي المتاح ومتطلبات التشغيل والصيانة وظروف الموقع.

ورغم هذه الفرص، لا يزال انتشار الطاقة الشمسية في الزراعة والصناعات الغذائية يواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلفة الاستثمار الأولية، وصعوبة توفير التمويل لبعض المزارعين وأصحاب المعامل، فضلاً عن الحاجة إلى كوادر فنية قادرة على تركيب الأنظمة وصيانتها، وتوفير البطاريات أو مصادر الطاقة الاحتياطية لضمان استمرار التشغيل خلال الليل والأيام التي ينخفض فيها الإشعاع الشمسي.

كما أن استخدام المضخات الشمسية لا يعني بالضرورة ترشيد استهلاك المياه، إذ إن انخفاض كلفة تشغيل المضخة قد يشجع بعض المزارعين على زيادة الضخ، ولا سيما من الآبار الجوفية، إذا لم تقترن المنظومة بضوابط تحدد كميات السحب واحتياجات المحاصيل. ولذلك يتطلب تحقيق الفائدة البيئية والاقتصادية الجمع بين الطاقة الشمسية وتقنيات الري الحديث، مثل التنقيط والرش والحساسات التي تقيس رطوبة التربة، إلى جانب تنظيم استخدام المياه الجوفية.

أما في معامل التمور، فإن نجاح التحول يتطلب دراسة طبيعة الأحمال الكهربائية والحرارية لكل منشأة، وتحديد المعدات التي يمكن تشغيلها بالطاقة الشمسية مباشرة، وتلك التي تحتاج إلى منظومات هجينة أو وحدات تخزين، مع مراعاة متطلبات التبريد والتجفيف واستمرارية خطوط الإنتاج.

ومع امتلاك العراق نحو 22 مليون نخلة وفق بيانات أشارت إليها دراسات قطاعية، وتسجيل إنتاج يتجاوز 735 ألف طن من التمور عام 2022، فإن توسيع استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل المضخات ومرافق التصنيع يمكن أن يفتح مجالاً لخفض تكاليف الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة للمحصول، فضلاً عن تقليل الانبعاثات وتحسين قدرة المنشآت الزراعية على مواجهة انقطاعات الكهرباء.

ويبدو أن التحدي لم يعد مرتبطاً بتوافر أشعة الشمس في العراق، بقدر ما يتعلق بتحويل هذا المورد إلى مشاريع إنتاجية قابلة للاستمرار، من خلال التمويل الميسر والدراسات الفنية والتدريب والصيانة، وربط مشاريع الطاقة النظيفة بخطط إدارة المياه وتطوير الصناعات الزراعية، بما يجعل الطاقة الشمسية جزءاً من منظومة متكاملة لدعم الزراعة العراقية، لا مجرد بديل لتشغيل المضخات.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً