تدخل خطة الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق
النار في قطاع غزة اختباراً أكثر تعقيداً من مجرد تثبيت الهدنة، إذ تضع ملف سلاح
الفصائل الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي وإدارة القطاع وإعادة الإعمار داخل
معادلة واحدة، بينما تكشف مواقف الأطراف عن خلاف جوهري بشأن أي خطوة يجب أن تأتي
أولاً.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 31 يوليو تموز
التوصل إلى اتفاق لتنفيذ المرحلة الثانية، بعد أشهر من تعثر الانتقال إليها منذ
دخول المرحلة الأولى حيز التنفيذ في أكتوبر تشرين الأول 2025. وتطرح الخطة إدارة
فلسطينية انتقالية جديدة للقطاع، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وترتيبات لحصر
السلاح، إلى جانب نشر قوة استقرار دولية وبدء إعادة الإعمار.
لكن التفاصيل تكشف أن المشكلة لم تعد في صياغة إطار
سياسي لإنهاء الحرب بقدر ما أصبحت في ترتيب خطوات التنفيذ والضمانات التي تمنع أحد
الأطراف من الحصول على ما يريده قبل تنفيذ التزاماته المقابلة.
وبحسب ما جاء في دراسة نشرها المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، ان خريطة الطريق، المؤلفة من 15 بنداً، تنص على نقل
الصلاحيات المدنية والأمنية في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع خلال مرحلة
انتقالية. ومن شأن ذلك أن ينهي عملياً إدارة حماس المباشرة للقطاع، لكنه يطرح في
الوقت نفسه نموذجاً إدارياً لا يمنح السلطة الفلسطينية في رام الله دوراً واضحاً
في الترتيبات الانتقالية.
وتتمركز العقدة الأكثر حساسية حول السلاح.
فوفق الخطة، تبدأ عملية تدريجية لحصر الأسلحة الثقيلة
وتخزينها وتفكيك مواقع الإنتاج العسكري ومستودعات السلاح والأنفاق، تحت إشراف
اللجنة الوطنية وبمراقبة دولية. وتنص الصيغة الواردة في خريطة الطريق على بقاء
الأسلحة الفردية خاضعة للقوانين الفلسطينية وعدم نقل الأسلحة إلى إسرائيل أو إلى
جهة غير فلسطينية.
وتبدو هذه الصياغة محاولة لصناعة حل وسط بين مطلب
إسرائيل نزع سلاح حماس بصورة شاملة ورفض الفصائل تسليم أسلحتها لإسرائيل، لكنها
تنقل الخلاف إلى سؤال أكثر حساسية: هل يجري حصر السلاح بالتزامن مع الانسحاب
الإسرائيلي، أم يصبح نزع السلاح شرطاً يسبق الانسحاب؟
وهنا تحديداً يظهر التباعد بين الطرفين.
ووفقا للدراسة فإن حماس وافقت على خريطة الطريق، لكنها ربطت ترتيبات
السلاح بحزمة متزامنة تشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب القوات من
القطاع، ودخول اللجنة الوطنية، وانتشار القوة الدولية، وبدء التعافي وإعادة
الإعمار. كما ربطت الانتقال إلى المرحلة الثانية باستكمال إسرائيل التزامات
المرحلة الأولى، ومنها فتح المعابر وتدفق المساعدات ووقف التوسع العسكري.
أما إسرائيل فتطالب، وفق المادة المصدرية، بنزع كامل
للسلاح وتفكيك القدرات العسكرية لحماس قبل الانسحاب الكامل، وتحفظت كذلك على
القيود التي يمكن أن تفرضها الخطة على حرية عمل جيشها وعلى مشاركة قطر وتركيا في
آليات التحقق.
وبعد نقل هذه التحفظات إلى واشنطن، أصدر مجلس السلام
بياناً ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل باستكمال نزع السلاح، بما يشمل الأسلحة
الخفيفة والثقيلة والأنفاق، وهو تحول مهم عن القراءة التي تقوم على التدرج
والتزامن بين المسارين.
وهذا الخلاف ليس تقنياً.
فإذا أصبح نزع السلاح شرطاً سابقاً للانسحاب، تخشى
الفصائل الفلسطينية أن تفقد أهم أوراقها قبل الحصول على ضمانات بإنهاء الوجود
العسكري الإسرائيلي. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن الانسحاب قبل تفكيك القدرات
العسكرية يمكن أن يسمح لحماس أو لفصائل أخرى بإعادة بناء قوتها.
وتكشف هذه المعضلة عن نقطة الضعف الأساسية في الخطة:
غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي رغم النص على مبدئه.
وتربط الوثيقة الانسحاب بالتقدم في ترتيبات السلاح،
لكنها لا تحدد موعداً نهائياً واضحاً لاستكماله، ما يترك إحدى القضايا الأكثر
حساسية رهينة مفاوضات التنفيذ اللاحقة.
ويزيد نشر قوة استقرار دولية المشهد تعقيداً. فالخطة
تريد لهذه القوة أن تفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة للإدارة
الفلسطينية الجديدة، لكن الشروط الإسرائيلية المقترحة تقيد نطاق انتشارها وتربطه
بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن استقلاليتها وقدرتها
على التحول إلى ضمانة فعلية للانسحاب.
ولا يقل ملف إدارة غزة أهمية عن الجانب الأمني.
فانتقال الصلاحيات إلى اللجنة الوطنية يوفر صيغة يمكن أن
تسمح بإدارة الخدمات والمؤسسات بعيداً عن السيطرة المباشرة لحماس، وهو أحد المطالب
الرئيسية لإسرائيل والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يتيح للفلسطينيين الاحتفاظ
بإدارة محلية للقطاع.
وكان إعلان حماس في السادس من يوليو تموز حل لجنة العمل
الحكومي ودعوة اللجنة الوطنية إلى تولي المسؤوليات الإدارية والأمنية خطوة رئيسية
في إزالة إحدى العقبات أمام هذا الانتقال.
لكن غياب دور واضح للسلطة الفلسطينية يفتح سؤالاً أبعد
من الحرب نفسها: من سيحكم غزة على المدى الطويل؟
فاللجنة المقترحة مصممة لإدارة مرحلة انتقالية، وليس
لتقديم حل نهائي لمسألة التمثيل السياسي الفلسطيني، بينما تربط الخطة ترتيباتها في
نهاية المطاف بمسار يؤدي إلى تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.
وتبرز إعادة الإعمار كورقة ضغط أخرى.
وتنص الخطة على إعداد برنامج لإعادة بناء القطاع وتوفير
التمويل اللازم بالتوازي مع تنفيذ بقية البنود، ما يجعل الإعمار جزءاً من التسوية
السياسية والأمنية وليس ملفاً إنسانياً منفصلاً.
ويعني ذلك عملياً أن سرعة إعادة بناء غزة قد تصبح مرتبطة
بالتقدم في ملفات السلاح والانسحاب والإدارة، وهي معادلة تجعل حياة السكان ومستقبل
البنية التحتية للقطاع متداخلين مباشرة مع المفاوضات السياسية.
وجاءت الخطة بعد أشهر من مفاوضات شاركت فيها مصر وقطر
وتركيا وتركزت على القضايا الثلاث التي عطلت المرحلة الثانية: الانسحاب
الإسرائيلي، وسلاح الفصائل، وإدارة غزة. وتوصلت ثمانية فصائل فلسطينية، بحسب
المادة المصدرية، إلى تفاهم بشأن معظم البنود، ومنها تخزين السلاح الثقيل تحت
إشراف اللجنة الوطنية بدلاً من تسليمه إلى إسرائيل.
لكن التحركات الدبلوماسية تزامنت مع استمرار العمليات
العسكرية والاغتيالات الإسرائيلية وتقييد المساعدات وتوسيع مناطق السيطرة داخل
القطاع، وهي عوامل تجعل الثقة بين الأطراف شديدة الهشاشة وتزيد صعوبة تنفيذ أي
ترتيبات تتطلب خطوات متزامنة.
وهكذا تواجه المرحلة الثانية مفارقة واضحة: الخطة هي
الأكثر شمولاً منذ بدء مسار وقف إطلاق النار لأنها تجمع الأمن والحكم والانسحاب
والإعمار والمسار السياسي، لكن جمع هذه الملفات داخل اتفاق واحد يجعل انهيار أحدها
قادراً على تعطيل بقية المسار.
وقد يكون ترتيب التنفيذ أهم من نص الاتفاق نفسه.
فنجاح صيغة تقوم على خطوات متبادلة ومتزامنة يمكن أن
يحول وقف إطلاق النار من هدنة قابلة للانهيار إلى بداية لترتيبات سياسية طويلة
الأمد. أما تحويل نزع السلاح إلى شرط يسبق الانسحاب والإعمار فقد يعيد المفاوضات
إلى نقطة البداية، خصوصاً في غياب جدول زمني ملزم للانسحاب وضمانات واضحة لتنفيذ
الالتزامات.
وفي المقابل، فإن عدم التوصل إلى صيغة قابلة للتحقق بشأن
السلاح سيبقي المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بإعادة بناء القدرات العسكرية قائمة،
ويضعف فرص قبول إسرائيل بالانسحاب الكامل.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة واشنطن
والوسطاء على بناء آلية تنفيذ لا تعتمد فقط على تعهدات الأطراف، بل على جداول
زمنية وآليات تحقق وضمانات تربط كل خطوة أمنية بخطوة سياسية أو ميدانية مقابلة.
وبينما تقدم خريطة الطريق تصوراً للانتقال من الحرب إلى
ترتيبات ما بعدها، فإنها لا تحسم حتى الآن الخلاف الذي رافق المفاوضات منذ
بدايتها: إسرائيل تريد ضمان نهاية القدرات العسكرية لحماس قبل الانسحاب، بينما
تريد الفصائل ضمان نهاية الوجود العسكري الإسرائيلي قبل التخلي عن أهم أوراق القوة
لديها.
وبين هذين الشرطين يتحدد مصير المرحلة الثانية، ومعها احتمال أن تتحول الهدنة في غزة إلى تسوية أكثر استقراراً، أو أن تصبح مجرد محطة أخرى بين جولتين من القتال.
أضف تعليقاً