ضياء الرحمن
ميدل إيست آي
يعيد اتفاق أمني جديد بين باكستان والسعودية وتركيا رسم الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، من خلال جمع ثلاث من أكثر القوى نفوذًا في العالم الإسلامي ضمن إطار للدفاع الجماعي.
وينص اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي سُمّي باسم المدينة المقدسة التي وُقّع فيها يوم الجمعة، على أن الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الأعضاء الثلاثة جميعًا.
وعلى غرار المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تمنح هذه الفقرة الاتفاق أهمية جيوسياسية فورية، حتى في الوقت الذي يترك فيه البيان المشترك الالتزامات العسكرية المحددة غامضة.
وبالنسبة إلى باكستان، الدولة ذات الأغلبية المسلمة والوحيدة في العالم التي تمتلك أسلحة نووية، يمثل الاتفاق خروجًا لافتًا عن موقفها التقليدي الحذر بوصفها وسيطًا إقليميًا.
ومن خلال الوقوف إلى جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تضع إسلام آباد قواتها المسلحة في موقع الضامن الأمني المحتمل في قلب محور ناشئ يمتد من جنوب آسيا إلى الخليج.
ويشير الاتفاق إلى تحول محتمل ذي أهمية كبيرة. ففي الوقت الذي يتعرض فيه النظام الإقليمي القائم منذ فترة طويلة، والذي تتمحور دعائمه حول واشنطن، لضغوط متزايدة وسط الحروب وتغير التحالفات، تسعى قوى الشرق الأوسط إلى تولي قدر أكبر من السيطرة على أمنها، مع إمكانية أن توفر القدرات العسكرية النووية والتقليدية الباكستانية ركيزة جديدة لهذا النظام.
ويأتي الاتفاق أيضًا في وقت يواجه فيه النظام الأمني التقليدي في الشرق الأوسط ضغوطًا غير مسبوقة.
لقد أدت الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى تغيير المشهد الاستراتيجي الإقليمي، مع وصول الضربات المباشرة إلى الأراضي السعودية، وتعطل حركة الشحن التجاري بشكل كبير عبر كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقال مسؤول أمني باكستاني يراقب المنطقة طالبًا عدم الكشف عن هويته: "تشترك الدول الثلاث في مصلحة اقتصادية وأمنية تتمثل في منع المزيد من التصعيد، وهو ما دفعها في نهاية المطاف إلى توقيع الاتفاق".
وأثرت الاضطرابات التي أصابت حركة الشحن عبر مضيق هرمز على إمدادات الطاقة والأسمدة السعودية، ما أحدث صدمات في الاقتصاد العالمي. وكانت الدول المعتمدة على الاستيراد، مثل باكستان وتركيا، من بين الدول الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا الاضطراب.
لكن الحسابات الأمنية أكثر أهمية بكثير.
فقد تعرضت كل من السعودية وتركيا لهجمات مرتبطة بالصراع الإقليمي الأوسع، بينما لا تزال إسلام آباد وأنقرة تشعران بقلق عميق من انتقال حالة عدم الاستقرار عبر الحدود من خلال حدودهما الطويلة مع إيران.
وتواجه أنقرة معضلة أمنية إضافية، تتمثل في احتمال أن يؤدي تسليح الفصائل الكردية الإيرانية من جانب قوى خارجية إلى تقويض عملية السلام الهشة التي حققتها بصعوبة مع حزب العمال الكردستاني، أو "بي كي كي".
كما أدى الصراع الأوسع إلى تعزيز موقف إيران وحلفائها الحوثيين في اليمن، الذين صعّدوا الهجمات المباشرة على الأراضي السعودية.
وبالنسبة إلى قادة دول الخليج، فإن فشل الضمانات الأمنية الأميركية التقليدية في ردع مثل هذه الهجمات أثار تساؤلات حول مدى موثوقية واشنطن بوصفها شريكًا أمنيًا.
والنتيجة هي دفع حاسم من جانب القوى الإقليمية الكبرى لبناء ترتيبات دفاعية تعتمد بدرجة أقل على الضمانات الخارجية.
ووصف السفير الباكستاني السابق عاصف دوراني الاتفاق بأنه "أول لبنة ملموسة في بنية أمنية إقليمية ناشئة"، معتبرًا أنه يشير إلى توجه نحو تولي المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها.
وكتب دوراني على منصة "إكس": "إذا استمر هذا الزخم، فقد يفتح الباب أمام معالجة صراعات عمرها عقود، بما في ذلك القضية الفلسطينية المستمرة، من خلال نهج تقوده المنطقة بدرجة أكبر".
ويؤكد محللون أن الاتفاق ليس تطورًا منفصلًا، بل يمثل حصيلة تعاون ثلاثي متزايد العمق.
ووصف مايكل كوجلمان، الزميل البارز لشؤون جنوب آسيا في المجلس الأطلسي، الاتفاق بأنه "نتيجة منطقية لتعمق العلاقات الأمنية" بين الدول الثلاث خلال الأشهر الأخيرة.
وهو يستند إلى أسس قائمة بالفعل. فقد وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقًا ثنائيًا للدفاع المتبادل في أواخر عام 2025، شهد نشر نحو 8,000 جندي باكستاني وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي في المملكة، بينما لا تزال تركيا موردًا رئيسيًا للمعدات الدفاعية إلى البلدين.
وبالنسبة إلى واشنطن، قد يكون الاتفاق موضع ترحيب خاص.
وقال كوجلمان على منصة "إكس" إن الاتفاق، مع تركيزه الكبير على الردع الإقليمي الجماعي، مع أخذ إيران في الحسبان، «سيُستقبل بشكل جيد في واشنطن، التي تريد رؤية تقاسم أكبر للأعباء من جانب حلفائها الرئيسيين".
شريان حياة اقتصادي بزي عسكري
لكن بالنسبة إلى باكستان، فإن الاتفاق يتعلق بأكثر من مجرد الجغرافيا السياسية، فهو مرتبط أيضًا بشكل وثيق بنقاط الضعف الاقتصادية في البلاد، وفقًا لما قاله محللون.
ويمثل الاتفاق تحولًا ملحوظًا بالنسبة إلى إسلام آباد، التي أمضت الأشهر الأخيرة في تقديم نفسها بوصفها جسرًا دبلوماسيًا بين واشنطن وطهران.
وفي حين ساعدت باكستان في التوسط للتوصل إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد في يونيو/حزيران بهدف وقف الأعمال العدائية الإقليمية مؤقتًا، فإن التصعيدات اللاحقة ضيقت هامش موقفها المحايد. وبالنسبة إلى حكومة تكافح التضخم المستمر والضغوط المالية، أصبحت السياسة الدفاعية الاستراتيجية منفصلة بشكل متزايد عن الضرورة المالية.
وتاريخيًا، استفادت باكستان من قوتها العسكرية للحصول على دعم اقتصادي، ولا سيما من الولايات المتحدة والسعودية.
ويؤسس إطار الدفاع الجماعي هذا لذلك النموذج بصورة مؤسسية، بما يسمح لإسلام آباد بتحويل قدراتها العملياتية إلى موارد مالية، بدءًا من التدريب المشترك ونشر القوات وصولًا إلى صادرات الأسلحة، مقابل استثمارات خليجية حيوية وامتيازات في مجال الطاقة ودعم دبلوماسي.
وبالنسبة إلى الرياض، توفر باكستان إمكانية الوصول إلى جيش كبير وذي خبرة، يمتلك عقودًا من الخبرة في القتال ومكافحة التمرد. أما بالنسبة إلى إسلام آباد، فإن تعزيز التعاون الأمني مع السعودية يوفر احتمال الحصول على استثمارات ومساعدات مالية وعلاقة اقتصادية أقوى مع واحدة من أقوى دول المنطقة.
وقال المسؤول الأمني لموقع "ميدل إيست آي": "بهذا المعنى، تتحول القوة العسكرية الباكستانية إلى أصل اقتصادي، إلى جانب كونها أصلًا استراتيجيًا".
المال السعودي، والتكنولوجيا التركية، والقوة العسكرية الباكستانية
يجمع هذا التعاون الناشئ أيضًا ثلاثة أشكال متميزة من القوة الاستراتيجية.
ووصف شهريار خان، المحلل السياسي والمستشار الأول في وزارة القانون والعدل الباكستانية، هذا المزيج الناشئ بأنه يقوم على تقديم السعودية القوة المالية، وإسهام تركيا بالابتكار التكنولوجي، وتوفير باكستان القدرة العسكرية الأساسية.
وقال خان لموقع «ميدل إيست آي»: «معًا، يمكن للدول الثلاث أن تشكل شراكة أمنية تمتد قدراتها إلى ما هو أبعد بكثير من عمليات نشر القوات التقليدية».
وتجلب كل دولة أصلًا استراتيجيًا مكملًا للدول الأخرى. فالسعودية، التي تحتضن أقدس المواقع في الإسلام، توفر رأس المال الضخم، والهيمنة على أسواق الطاقة، والثقل الدبلوماسي الإقليمي.
أما تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، فلديها صناعة دفاعية متقدمة ومتزايدة الاعتماد على الذات، تشمل خبرة في أنظمة الطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذخائر الموجهة بدقة، ما يقلل اعتمادها على الموردين الأجانب.
وتسهم باكستان بجيش ضخم اكتسب خبرة قتالية كبيرة، إلى جانب امتلاكها وسيلة الردع النووي الوحيدة في العالم الإسلامي.
خطر التورط
ومع ذلك، يحمل الاتفاق أيضًا مخاطر كبيرة بالنسبة إلى باكستان، وفقًا لخبراء.
وكان رد إيران على الاتفاق سريعًا وانتقاديًا.
وكتب إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، على منصة «إكس»، رافضًا الترتيب: «ينبغي للسعوديين أن يعرفوا أن اتفاقًا ورقيًا مع تركيا وباكستان لا يجلب لهم الأمن، تمامًا كما أن سنوات الاستنزاف الأحادي الجانب للأميركيين لم تجلب لهم الأمن».
ويؤكد هذا الرد المعضلة الأساسية التي تواجهها إسلام آباد: فتعميق مشاركتها في البنية الأمنية الخليجية يهدد بتصدع علاقتها الحساسة والتقليدية الحذرة مع طهران.
ويحذر محللون من خطر «التورط»، أي احتمال جرّ باكستان إلى مواجهات خارجية لا تخدم مصالحها الوطنية الخاصة.
وتاريخيًا، تجنبت باكستان الانخراط المباشر في صراعات القوة في الشرق الأوسط. فقد رفض برلمانها، بصورة لافتة، الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن عام 2015، بسبب مخاوف سياسية وطائفية داخلية.
وبوجود أقلية شيعية كبيرة، يرى بعض أفرادها رجال الدين الإيرانيين بوصفهم مرشدين سياسيين ودينيين، يتعين على باكستان أيضًا أن تضمن ألا يُنظر إلى تقاربها الأكبر مع السعودية وتركيا داخل البلاد على أنه موقف معادٍ لإيران، بما قد يؤدي إلى تأجيج خطوط الانقسام الطائفي الداخلية.
"كتلة أمنية إسلامية"
أثار الاتفاق نقاشًا واسعًا حول إمكانية تطوره إلى كتلة أمنية أوسع ومتعددة الدول في أنحاء العالم الإسلامي.
[8/9/2026 6:21 PM] سيد علي الطالقاني اثير: واقترح مسؤول عسكري باكستاني كبير متقاعد، محمد سعيد، أن تنضم في نهاية المطاف دول إسلامية إضافية من المنطقة، وربما من خارجها أيضًا، إلى هذا الإطار.
لكنه حذر من أن القوة العسكرية وحدها لن تحدد نجاح مثل هذا الترتيب.
وكتب على منصة "إكس": "بالنسبة إلى الدول الإسلامية، فإن القوة الحقيقية والجماعية لن تأتي فقط من خلال القدرات العسكرية، بل بالدرجة الأولى من خلال الاستثمارات والتعاون طويل الأمد في المعرفة والابتكار والانضباط والشخصية والتفسير المتسامح للمشاعر الطائفية".
وقد استقطب احتمال تشكيل مجموعة أمنية أكثر تماسكًا اهتمامًا بالفعل في إسرائيل.
وفي فبراير/شباط، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت صراحة من سعي تركيا إلى إقامة «محور معادٍ» بالاستعانة بالقدرات النووية الباكستانية، "لتطويق إسرائيل".
لكن محللين يرون أن الوضع النووي لباكستان يغير حتمًا الحسابات الاستراتيجية المحيطة بالاتفاق.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن توثيق العلاقات الدفاعية مع إسلام آباد يمكن أن يوفر طبقة إضافية من الردع في وقت تواجه فيه المملكة تهديدات من إيران، بينما تتعامل في الوقت نفسه مع علاقتها بإسرائيل.
العامل الهندي
للاتفاق أيضًا تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط بكثير.
وبالنسبة إلى باكستان، يمكن أن توفر العلاقات الوثيقة مع السعودية وتركيا ثقلًا استراتيجيًا موازنًا للهند.
وعلى الرغم من أن السعودية تحتفظ بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع نيودلهي، فإن إطار الدفاع الجماعي يعزز بشكل أكبر دور باكستان بوصفها شريكًا أمنيًا للقوى الخليجية الرئيسية.
وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الهندية ردت بحذر، قائلة إن نيودلهي "تتابع التطورات عن كثب"، فإن محللي الأمن القومي الهنود يراقبون الوضع بقلق متزايد.
وكتب كبير تانيجا، المدير التنفيذي لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة مراقبة الأبحاث، وهي مؤسسة بحثية مقرها نيودلهي، على منصة "إكس": "في حين أن معظم الناس ينظرون بوضوح إلى هذا الأمر من منظور الشرق الأوسط، فإنه يؤثر أيضًا في ساحات أخرى. والعلاقة المشحونة بالصراع بين باكستان والهند تأتي في مقدمة تلك القائمة".
ووصف وزير الخارجية الهندي السابق كنوال سيبال، في منشور على منصة "إكس"، الاتفاق بأنه "تطور سلبي للغاية بالنسبة إلى المصالح الهندية"، مقترحًا أن توسع الهند خياراتها الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل واليونان وقبرص وأفغانستان.
الرأي والتحليل
ماذا يعني اتفاق الدفاع بين باكستان والسعودية وتركيا بالنسبة إلى الشرق الأوسط؟
الوسوم
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً