بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
صحة

دراسة تقلب (الخريطة الجينية) للإنسان وتهز فرضية العينة الواحدة في الطب

كشفت دراسة دولية واسعة أن النشاط الجيني داخل جسم الإنسان أكثر تغيراً بمرور الوقت مما كان يُعتقد، إذ أظهرت أن نحو 85 بالمائة من الجينات المدروسة تتقلب داخل الشخص نفسه، في نتائج قد تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في الاعتماد على عينة واحدة عند تشخيص الأمراض أو إجراء الدراسات السريرية.

ونُشرت الدراسة في دورية «Nature Communications»،  وأجراها باحثون من مجموعة التميز PMI في جامعة كيل الألمانية وجامعة لوفان الكاثوليكية والمركز الألماني لأمراض التنكس العصبي.

وتابع الباحثون 333 متطوعاً في منطقة فلاندرز البلجيكية على مدى ستة أشهر، وسحبوا ثلاث عينات دم من كل مشارك في أوقات مختلفة، قبل تحليل نشاط نحو 14 ألف جين في كل عينة.

وأظهرت النتائج، أن التغيرات الجزيئية التي تحدث داخل الشخص الواحد بمرور الوقت يمكن أن تكون أكبر من الاختلافات المسجلة بين أشخاص مختلفين، وهو ما يتحدى افتراضاً شائعاً بأن القياسات البيولوجية المأخوذة في وقت معين تقدم صورة مستقرة نسبياً عن حالة الفرد.

وبحسب الدراسة، يمكن لعينة دم مأخوذة من الشخص نفسه في الشتاء أن تقدم نمطاً مختلفاً بصورة واضحة عن عينة مأخوذة في الصيف، حتى عندما تُجرى التحليلات باستخدام الظروف المختبرية ذاتها.

ورصد الباحثون أكثر من أربعة آلاف جين يتغير نشاطها بصورة منتظمة بين الشتاء والصيف. وبرز خلال الأشهر الباردة نشاط الجينات المرتبطة بالمناعة، في حين زاد في الصيف نشاط جينات مرتبطة بالساعة البيولوجية والنوم والتمثيل الغذائي والتوازن الهرموني.

ولم يكن الفصل وحده عاملاً مؤثراً، إذ أظهرت النتائج أن توقيت أخذ عينة الدم خلال اليوم وحتى الالتهابات البسيطة يمكن أن تترك أثراً في النشاط الجيني.

ووجد الباحثون أيضاً أن نحو 15 بالمائة من الجينات المدروسة ظلت مستقرة نسبياً داخل الفرد عبر الزمن، وتركز جانب منها في وظائف مرتبطة بالجهاز المناعي والخلايا التائية والبائية.

وبخلاف الجينات الأكثر تقلباً، أظهرت هذه المجموعة اختلافات أوضح بين الأشخاص، ما دفع الباحثين إلى وصفها بأنها أقرب إلى «بصمة مناعية» يمكن أن تميز الفرد وتكتسب أهمية في تطوير الطب الدقيق.

وكشفت الدراسة كذلك عن اختلاف بين الجنسين، إذ سجلت النساء تقلبات جينية عبر الزمن أعلى من الرجال. وكان الباحثون يتوقعون أن تفسر الدورة الشهرية جانباً كبيراً من هذه الفروق، إلا أن استمرارها بعد انقطاع الطمث أشار، وفق الدراسة، إلى احتمال وجود عوامل بيولوجية أخرى لم تُفهم بالكامل بعد.

وفي المقابل، أظهر الرجال استقراراً زمنياً أكبر، لكن الاختلافات بينهم كانت أكثر وضوحاً، وهي نتيجة قد تكون ذات أهمية عند تصميم التجارب السريرية وتحليل نتائجها، خصوصاً في ظل الاعتماد التاريخي لكثير من الدراسات الطبية على المشاركين الذكور.

كما رصد الباحثون دور ما يعرف بـ«الوصل البديل»، وهي آلية يستطيع من خلالها الجين الواحد إنتاج بروتينات مختلفة وفق الظروف والتوقيت، بما يضيف مستوى آخر من التغير إلى الصورة الجزيئية للإنسان.

وقد تمتد تداعيات النتائج إلى طريقة تفسير المؤشرات الحيوية المرتبطة بالأمراض، إذ يرى الباحثون أن بعض التغيرات التي تظهر في التحاليل قد لا تعكس المرض وحده، وإنما يمكن أن تتأثر أيضاً بالموسم ووقت اليوم والجنس والتغيرات الطبيعية التي يمر بها الجسم.

ولا تعني النتائج، بحسب الباحثين، أن الدراسات الطبية السابقة كانت خاطئة، لكنها تشير إلى ضرورة إدخال الزمن والاختلافات الموسمية والجنس ضمن العوامل الأساسية عند تصميم الدراسات وتفسير بياناتها.

وقد يكون التأثير الأبرز للدراسة في مستقبل الطب الدقيق، إذ تقترح نتائجها أن الاعتماد على عينة واحدة قد يقدم «لقطة» للحالة البيولوجية في لحظة محددة، بدلاً من صورة كاملة للفرد.

ويطرح ذلك اتجاهاً نحو استخدام قياسات متكررة في بعض الدراسات والفحوص المتخصصة، بحيث يصبح السؤال ليس فقط عما تقوله المؤشرات الجزيئية للمريض، وإنما أيضاً متى أُخذت العينة وكيف تغيرت مقارنة بعيناته السابقة.

وبذلك تضيف الدراسة عاملاً جديداً إلى معادلة الطب الدقيق: الزمن. فبدلاً من النظر إلى التركيب الجزيئي للإنسان باعتباره صورة ثابتة، تشير النتائج إلى أنه أقرب إلى مشهد متحرك باستمرار، قد يصبح فهم إيقاع تغيره جزءاً أساسياً من تشخيص الأمراض ومتابعتها مستقبلاً.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً