تتجه خريطة التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط نحو تحول لافت بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك في مكة في السابع من أغسطس/آب، في خطوة تعكس مساعي الدول الثلاث إلى بناء مظلة ردع إقليمية وسط اضطرابات أمنية متصاعدة وتراجع الثقة بقدرة الترتيبات التقليدية على توفير الحماية الكافية.
وتأتي الاتفاقية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وفق الدراسة، بعد سلسلة من الحروب والتوترات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصولاً إلى المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها على مضيق هرمز وإمدادات الطاقة والمصالح الاقتصادية لدول الخليج.
وتقوم الاتفاقية على ثلاثة مرتكزات رئيسية، أبرزها تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، واعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميع الأطراف، إلى جانب تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.
وتمنح هذه البنود الاتفاقية ثقلاً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي، إذ تقدم إطاراً للأمن الجماعي يجمع للمرة الأولى منذ عقود دولاً عربية وغير عربية ذات قدرات عسكرية واقتصادية مختلفة، في صيغة تعيد إلى الأذهان التحالفات الإقليمية التي ظهرت خلال الحرب الباردة.
وتشير الدراسة إلى أن الاتفاق يمثل أول إطار من هذا النوع يضم دولاً عربية وغير عربية منذ إنشاء حلف بغداد عام 1955، كما أنه أول اتفاق دفاع مشترك توقعه السعودية خارج إطار مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنحه دلالة خاصة على التحولات التي طرأت على حسابات الرياض الأمنية.
ولا يبدو التحرك السعودي منفصلاً عن مسار بدأ قبل ذلك بنحو عام، عندما وقعت الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/أيلول 2025 اتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك تضمنت أيضاً مبدأ اعتبار الاعتداء على أحد البلدين اعتداءً عليهما معاً.
وجاء التقارب الدفاعي السعودي-الباكستاني وسط شكوك متزايدة، بحسب الدراسة، بشأن مدى الاعتماد على الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإقليمية، وهي شكوك تعود جذورها إلى الهجوم الذي تعرضت له منشآت أرامكو عام 2019، ثم تعززت مع التطورات العسكرية اللاحقة في المنطقة.
لكن دخول تركيا على الخط يمنح الترتيب الجديد أبعاداً أكبر. فأنقرة تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطوراً في المنطقة، فيما تتمتع باكستان بجيش كبير وخبرة عملياتية طويلة، فضلاً عن كونها قوة نووية، بينما توفر السعودية ثقلاً مالياً واقتصادياً وموقعاً محورياً في أسواق الطاقة العالمية.
ويجمع التحالف بذلك ثلاثة عناصر يصعب تجاهلها في أي معادلة أمنية إقليمية: القدرة المالية والطاقة السعودية، والصناعة الدفاعية التركية، والقوة العسكرية والنووية الباكستانية. وترى الدراسة أن اجتماع هذه العناصر يمنح الاتفاقية ثقلاً سياسياً وأمنياً يتجاوز حدود الدول الثلاث.
وتستند الشراكة الجديدة أيضاً إلى علاقات تاريخية متفاوتة بين أطرافها. فالسعودية وباكستان ترتبطان بعلاقات وثيقة منذ قيام الدولة الباكستانية عام 1947، وتعزز التعاون بينهما بصورة خاصة خلال الحرب الباردة والحرب في أفغانستان، قبل أن تدفع التحولات الإقليمية الأخيرة الرياض إلى إعادة توثيق شراكتها مع إسلام آباد.
أما العلاقات السعودية-التركية، فقد مرت بمراحل من التقارب والتوتر خلال العقدين الماضيين، قبل أن تستعيد زخمها تدريجياً، وصولاً إلى إطار تشاوري تشكل خلال عام 2025 وضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، ومهد، وفق الدراسة، لاتفاقية مكة.
وفي المقابل، تتمتع تركيا وباكستان بتاريخ طويل من التعاون العسكري والدفاعي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما كان البلدان جزءاً من ترتيبات أمنية غربية لمواجهة النفوذ السوفياتي، قبل دخولهما ضمن منظومة حلف بغداد عام 1955.
لكن تحويل اتفاقية مكة من إعلان سياسي قوي إلى تحالف عسكري متماسك يواجه عقبة أساسية تتمثل في اختلاف تعريف مصادر التهديد لدى الدول الثلاث.
فالسعودية تنظر إلى بيئتها الأمنية أساساً من زاوية التهديدات المحيطة بالخليج وإيران، بينما تحافظ باكستان على حسابات أكثر تعقيداً في علاقتها بطهران، في وقت تظل فيه الهند التحدي الأكبر في العقيدة الدفاعية الباكستانية.
أما تركيا فتتحرك وفق حسابات مختلفة تتصل بإسرائيل واليونان ومحيطها الجغرافي المباشر، وهي أولويات لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات السعودية أو الباكستانية. وفي الوقت نفسه ترتبط الرياض بعلاقات اقتصادية واستثمارية واسعة مع الهند، فضلاً عن علاقاتها الوثيقة مع اليونان.
وتعني هذه التباينات أن اختبار الاتفاقية الحقيقي لن يكون في قدرتها على إعلان التضامن بين أطرافها، وإنما في تحديد الحالات التي يمكن أن تتحول فيها عبارة "الاعتداء على أحدنا اعتداء على الجميع" إلى التزام عسكري فعلي.
ولهذا ترجح الدراسة أن يتركز التعاون، على الأقل في مراحله الأولى، على مجالات أكثر قابلية للتوافق، من بينها تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة.
ويضع الاتفاق في الوقت نفسه العلاقة الأمنية التقليدية مع واشنطن أمام معادلة جديدة. فهو لا يعني بالضرورة خروج الدول الثلاث من شبكة علاقاتها الغربية، ولا سيما تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، لكنه يعكس اتجاهاً نحو توسيع الخيارات وعدم ربط الأمن الإقليمي بمصدر واحد للحماية.
وبذلك قد تكون أهمية اتفاقية مكة أقل ارتباطاً باحتمال ظهور "ناتو إقليمي" جديد، وأكثر اتصالاً بما تكشفه من تحول في التفكير الاستراتيجي لدول المنطقة: الانتقال من الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية إلى بناء شبكات ردع متعددة الشركاء والمصالح.
وفي ظل اختلاف الأولويات والقدرة على الانتشار العسكري والالتزامات الأمنية لكل دولة، ترجح الدراسة أن يبقى الاتفاق في المدى المنظور تحالفاً سياسياً وأمنياً يركز على الردع ومنع اندلاع الحروب أكثر من تحوله إلى كتلة عسكرية مصممة لخوضها.
أضف تعليقاً