ماركو كارنيلوس*
بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، الذي حطم وهم إمكانية إدارة الوضع القائم؛ وهو الوضع الذي كان يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، بينما يضر بالحقوق الفلسطينية، وفي منتصف الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، لم يعد الشرق الأوسط يُرسم بوضوح وفق المحورين اللذين حددا معالمه لعقود.
لقد تمحور الانقسام في المنطقة لفترة طويلة بين "محور المقاومة" الإيراني، الذي يضم حزب الله والحوثيين والجماعات المسلحة العراقية وسوريا المنهكة ولكن المتحدية تحت حكم نظام الأسد، وبين "السلام الأميركي" المستوحى من إسرائيل، وهو هيكل غير رسمي للردع والتطبيع والتفوق العسكري سعت واشنطن وتل أبيب إلى فرضه عبر اتفاقيات أبراهام، والمعايير المزدوجة الصارخة، وانتهاكات القانون الدولي، واستخدام القوة المفرطة.
واليوم، قد يكون قطب ثالث في طريقه إلى الظهور، يتمثل في "محور سني" يتجه نحو المزيد من الطابع المؤسسي، وترتكز دعائمه في الرياض وأنقرة وإسلام آباد، مع وجود الدوحة والقاهرة، وإلى حد أقل أبوظبي، على أطرافه.
وحتى قبل أيام قليلة، لم يكن هذا تحالفاً رسمياً، إذ لم يكن يمتلك ميثاقاً أو اسماً رسمياً. ولكن إذا جرى التعامل معه بجدية، فقد يعيد هذا التكتل تشكيل ميزان القوى في المنطقة بصورة أكثر استدامة من أي من الكتلتين المذكورتين.
وفي 7 أغسطس/آب، اتخذت باكستان والسعودية وتركيا الخطوة الأولى نحو إضفاء الطابع المؤسسي على هذا التفاهم غير الرسمي من خلال "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، الذي يتضمن ضماناً للأمن الجماعي على غرار حلف شمال الأطلسي.
صدمات متعددة
تقول الحجة إن إيران وحلفاءها أثبتوا قدرتهم على إحداث الصدمات والحفاظ على الضغوط غير المتكافئة، ولكن بتكلفة باهظة. فقد جرى القضاء على الهيكل القيادي لحزب الله، وتدهورت ترسانته بفعل العمليات الإسرائيلية التي انتهت إلى وقف إطلاق نار هش. كما انهار نظام الأسد، الذي شكل قاعدة العمليات الإيرانية المتقدمة في بلاد الشام طوال نصف قرن. أما الجناح العسكري لحماس في غزة، فقد سُحق في حرب أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص وتركت القطاع مدمراً، في الوقت الذي ألحقت فيه ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل على المستوى العالمي.
وفي المقابل، ثبت أن "السلام الأميركي" كان مجرد وهم باعتباره إطاراً لتحقيق الاستقرار. فقد اتسمت استراتيجية واشنطن في عهد ترامب بالطابع التبادلي أكثر من كونها استراتيجية قائمة على بناء منظومة متكاملة، من خلال الضغط على حماس وإسرائيل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وإنشاء "مجلس السلام" لإعادة إعمار غزة، وممارسة ضغوط كبيرة على عواصم الخليج لتوسيع اتفاقيات أبراهام، بل وطرح فكرة احتمال انضمام إيران نفسها إليها في نهاية المطاف.
ولم تحقق إسرائيل أهدافها المعلنة في الحرب في غزة أو لبنان أو إيران. وفي ما يتعلق بالأخيرة، تتأرجح الولايات المتحدة بصورة غير منتظمة بين الوعود بالحوار والتهديد باستخدام القوة، من دون استراتيجية واضحة أو تصور محدد لقدراتها العسكرية.
وفي الوقت نفسه، أدى السلوك الإسرائيلي، بما في ذلك الضربة التي استهدفت الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025 واستهدفت قيادة حماس على الأراضي القطرية، إلى نتيجة لم تكن واشنطن تسعى إليها مطلقاً، إذ أقنع دول الخليج بأن الضمانات الأمنية الأميركية قد لا تشملها عندما تقرر إسرائيل أن تصورها للتهديد يستدعي التحرك داخل أراضي تلك الدول.
وعندما تصبح دولة متحالفة مع حلف شمال الأطلسي وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية إقليمية في المنطقة عرضة لضربة من دون أي عواقب، فإن الردع القائم على التعهدات الأميركية وحدها يصبح موضع سخرية.
ومن هذه الصدمات المتعددة، وليس من أيديولوجية مشتركة، يستمد هذا التكتل الناشئ تماسكه، إذ لا يجمع بين الإسلام السياسي التركي والبراغماتية السلطوية السعودية بعد "رؤية 2030" والواقعية الباكستانية القائمة على الدولة العسكرية سوى القليل من القواسم المشتركة.
ويتمثل جوهر هذا التكتل في اتفاقية الدفاع المشترك السعودية - الباكستانية لعام 2025، التي وُقعت في أعقاب الهجوم على الدوحة، والتي تضع فعلياً القدرات النووية والصاروخية الباكستانية تحت مظلة غير رسمية متاحة للرياض.
أما تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وقاعدة صناعية دفاعية تزود المنطقة بالفعل بالطائرات المسيّرة والأنظمة البحرية والبرية، فقد تحركت ببطء نحو الانضمام إلى هذا الإطار.
تطور جيوسياسي
وتُكمل مصر، التي تسيطر على قناة السويس وتمتلك أكبر جيش نظامي في العالم العربي، وقطر، التي توفر إمكانات مالية كبيرة وقنوات وساطة لا مثيل لها مع حماس وواشنطن وطهران، هذا التطور الجيوسياسي المثير من الخارج.
أما أبوظبي، فتواصل اتباع سياسة الحذر، إذ لا تزال تتنافس مع الرياض على زعامة الاقتصاد في مرحلة ما بعد النفط وعلى التعاون الأمني مع إسرائيل.
وبالنسبة للإمارات، هناك أسباب وجيهة للانضمام إلى هذا الإطار، كما توجد أسباب قوية للبقاء خارجه ومراقبة التطورات، خصوصاً في ظل التقلبات العامة التي تشهدها المنطقة.
وبعيداً عن التعاون السعودي - الباكستاني الممتد لعقود، فإن ما يجمع هذا التكتل ليس الصداقة العميقة. فقد تسممت العلاقات التركية - السعودية لسنوات بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
لكن ما يجمع هذه الدول هو حسابات براغماتية متقاربة.
فكل عاصمة توصلت بصورة مستقلة إلى أن حرب الوكلاء الإيرانية أو النظام الإسرائيلي - الأميركي القائم على القبضة الحديدية وإعطاء الأولوية لإسرائيل، والمدعوم بالقوة وحدها، لا يوفران استقراراً طويل الأمد ولا وضعاً قائماً مقبولاً.
وقد تضاعفت التدريبات العسكرية المشتركة خلال هذا العام، بما في ذلك المناورات التي تقودها السعودية بمشاركة قوات جوية تركية وباكستانية، والتعاون بين القوات الخاصة المصرية والباكستانية، ودورات التخطيط متعددة الأطراف التي تشمل الجيوش الأربع.
ولا يعني أي من ذلك أن هناك "ناتو إسلامياً"، على الأقل حتى الآن، رغم وجود بند الدفاع المشترك، كما أن التشكيك في تماسك هذا التحالف يبقى أمراً مشروعاً.
فتركيا والسعودية لا تزالان تتنافسان على قيادة العالم السني، كما أن حماس باكستان لهذا المشروع تراجع بشكل ملحوظ مع تعاظم الدور التركي.
ومع ذلك، وحتى باعتباره احتمالاً أكثر منه حقيقة راسخة، فإن هذا التكتل يعيد بالفعل تشكيل الحسابات في طهران ونيودلهي وتل أبيب وواشنطن.
وما يميز هذا المحور عن أسلافه هو رفضه تقديم بديل أيديولوجي شامل.
فهو لا يدّعي تمثيل الإسلام السياسي بالطريقة التي تدّعي بها إيران تمثيل "المقاومة"، كما أنه لا يقدم الوعد الحتمي بالاندماج في نظام تقوده الولايات المتحدة، كما فعلت اتفاقيات أبراهام.
إعادة التموضع عبر إدارة المخاطر
وتنتهج دول هذا المحور سياسة التحوط في الوقت نفسه.
فالسعودية تُبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال التطبيع مع إسرائيل، بينما تبني في الوقت ذاته ضمانة أمنية نووية لمواجهة أي تهديد محتمل، وتسعى إلى تجنب الانجرار إلى تصعيد مباشر ومكلف ضد إيران.
أما تركيا، فتوسع نفوذها في سوريا والعراق مع تراجع التأثير الإيراني، من دون قطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وتستعد لمواجهة الطموحات الإسرائيلية للهيمنة الإقليمية.
في حين تواصل مصر وقطر أداء دور الوسيط، تحديداً لأنهما لا تشعران بالارتياح تجاه الاعتماد على طرف واحد.
إنها إعادة تموضع قائمة على إدارة المخاطر أكثر من كونها قائمة على القناعات، فهي تمثل تحوطاً ضد الضمانات الأمنية الأميركية غير الموثوقة، وضد الضمانات الإيرانية التي فقدت مصداقيتها.
لكن هذه البراغماتية نفسها قد تكون أيضاً المصدر الرئيس لاستدامة هذا المحور، إذ يسعى إلى احتواء ما تبقى من قدرات إيران عبر الوكلاء، وردع إسرائيل عن تنفيذ ضربات أحادية داخل أراضيه، والحفاظ على قدر كافٍ من الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن لتجنب الانجرار إلى مواجهات لا تتوافق مع مصالح أعضائه.
ولا يعني أي من ذلك أن المنطقة وجدت طريقها إلى الاستقرار.
فإعادة إعمار غزة لا تزال محل خلاف، ووقف إطلاق النار في لبنان هش، وإيران، رغم ضعفها، لا تزال قادرة على زعزعة الاستقرار عبر ما تبقى من شبكة حلفائها.
كما أن هناك منافسات داخلية داخل هذا المحور نفسه، بدءاً من التنافس التركي - السعودي وصولاً إلى الموقف الإماراتي الحذر.
ومع ذلك، فإن هذا المحور يمثل، بوصفه مفهوماً تنظيمياً، شيئاً جديداً بالفعل، فهو لا يعكس انتصار محور على آخر، بل يعبر عن ظهور طريق ثالث؛ طريق إقليمي وتبادلي يقوم على التحوط الواضح ضد النزعة الإيرانية التوسعية والطموحات الإسرائيلية ذات الطابع العقائدي، والالتزامات الأميركية المتعثرة.
وسيتنافس هذا المحور على تحديد معنى الاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.
وفي الوقت الراهن، تؤدي اتفاقية مكة دوراً فريداً يتمثل في السماح لكل طرف بإسقاط أكثر تصوراته طموحاً عليها.
فإسرائيل وأنصارها المتراجعون في واشنطن قد يرون فيها محاولة مرحباً بها لتقييد إيران بصورة أكبر داخل المنطقة.
أما طهران، فستنظر إليها باعتبارها دليلاً على أن القوى الإقليمية الكبرى تنظم نفسها للتحرر من المظلة الأمنية الأميركية غير الموثوقة، ومواجهة الطموحات الإسرائيلية الهيمنية.
وقد تنظر تركيا إلى الاتفاق باعتباره إطاراً مفيداً للتعامل مع التوترات المتصاعدة مع تل أبيب.
أما بالنسبة للسعودية، فقد يكون هذا التحالف هو الخيار الوحيد للحفاظ على الوضع القائم الذي تسعى إلى استمراره.
وبالنسبة لباكستان، فإنه يمثل فرصة مناسبة لتعزيز مكانتها الدولية، مع وضع أهم تحدياتها الاستراتيجية، المتمثلة في الهند، في الحسبان.
ومهما تكن النتيجة، فقد يكون لاتفاق مكة تأثير أكبر في تحديد مسار المنطقة من أي قرار يُتخذ في واشنطن أو تل أبيب أو طهران.
*مدل ايست اي
أضف تعليقاً