بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
تنمية

بعد انهيار المساعدات الدولية.. من يعيد رسم مستقبل التنمية في العالم؟

أحدثت التخفيضات الواسعة في المساعدات الدولية وإلغاء برامج تنموية خلال السنوات الأخيرة فجوة متزايدة في النظام العالمي للتنمية، ما دفع باحثين إلى الدعوة لإعادة توزيع سلطة اتخاذ القرار ومنح المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني دوراً أكبر في تحديد الأولويات وإدارة الموارد.

وبحسب تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي وترجمته وكالة النبأ، فإن الاضطرابات التي شهدها قطاع التنمية الدولية لم تعد مرتبطة بدولة أو جهة مانحة واحدة، بل أصبحت جزءاً من تحول أوسع يشمل تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية في عدد كبير من الدول.

وأعد التحليل الباحثان أندرو فريدمان وهديل علي، وهو الجزء الثالث من سلسلة بحثية تتناول مستقبل المساعدات الخارجية الأميركية وضرورة وضع أصحاب الحقوق والمجتمعات المتأثرة مباشرة بالمساعدات في قلب عملية اتخاذ القرار.

ويشغل فريدمان منصب مدير وزميل أول في مبادرة حقوق الإنسان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فيما تشغل هديل علي منصب رئيسة موظفي قسم التنمية العالمية في المركز.

ويرى الباحثان، بحسب التحليل، أن تفكيك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "USAID" وإلغاء منح تنموية شكّلا أبرز مظاهر الاضطراب، لكنهما جاءا ضمن مسار عالمي أوسع، بعدما خفضت غالبية الدول التي تمتلك ميزانيات للمساعدات الخارجية حجم مساعداتها الإنمائية الرسمية.

ويشير التحليل إلى أن التحولات التي تسارعت منذ كانون الثاني/يناير 2025 ألحقت أضراراً بالثقة والعلاقات داخل قطاع التنمية، وأسهمت، وفق الباحثين، في وفيات وصراعات كان من الممكن تجنبها، لكنها فتحت في الوقت نفسه نافذة لإعادة التفكير في النظام التنموي وإجراء تغييرات كان يصعب تنفيذها قبل سنوات قليلة.

وتقوم الفكرة الأساسية التي يطرحها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على نقل جانب أكبر من سلطة تحديد الأولويات واتخاذ القرارات من الجهات المانحة إلى المجتمعات التي تتأثر مباشرة بالمشاريع، وهو تحول يرى الباحثان أنه يحتاج إلى إرادة سياسية وتعاون أصحاب المصلحة، فضلاً عن تغيير طبيعة العلاقة التقليدية بين الممولين والمستفيدين.

واستند التحليل إلى سلسلة من اجتماعات الطاولة المستديرة التي عقدها المركز بين أيلول/سبتمبر 2025 وآذار/مارس 2026، وركزت على ثلاثة أطراف يتوقع أن تؤدي دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، هي المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والقطاع الخاص.

ويحذر الباحثان من أن كثرة المبادرات التي تناقش مستقبل التنمية قد تتحول بحد ذاتها إلى مشكلة إذا غاب التنسيق، إذ أحصى أحد المشاركين في الاجتماعات 39 مبادرة تقودها منظمات مجتمع مدني، بينما قدر مشارك من قطاع العمل الخيري عدد المبادرات المشابهة بنحو 70، ما يثير مخاطر تكرار الجهود وهدر الموارد والعمل أحياناً في اتجاهات متعارضة.

وتكشف الأرقام التي أوردها التحليل حجم الفجوة التي خلّفها تراجع التمويل الحكومي. فوفق تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية عالمياً بنحو 56 مليار دولار خلال عامي 2023 و2025، في حين يبلغ إجمالي العطاء الخيري الخاص الموجه إلى التنمية الدولية نحو 17 مليار دولار سنوياً فقط.

وتعني هذه الفجوة، بحسب الباحثين، أن المؤسسات الخيرية لا تستطيع تعويض انسحاب الحكومات حتى في حال توحيد جهودها بالكامل، لكنها تستطيع أداء دور مختلف بوصفها محفزاً وممكناً لمنظمات المجتمع المدني، مستفيدة من قدرتها على التحرك بسرعة وتحمل مخاطر لا تستطيع الحكومات والمؤسسات متعددة الأطراف تحملها.

ويدعو التحليل إلى تغيير طريقة تمويل المنظمات المحلية، والانتقال من المنح المرتبطة بمشاريع قصيرة الأجل إلى تمويل مرن يمتد لسنوات عدة، بما يقلل الأعباء الإدارية ويمنح المؤسسات المحلية مساحة أكبر لتحديد أولوياتها، إلى جانب توسيع نماذج التمويل التشاركي التي تضع المجتمعات المتأثرة في مركز عملية منح الأموال.

كما يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم "الشريك" داخل منظومة التنمية، بحيث لا تُعامل منظمات المجتمع المدني المحلية باعتبارها مجرد جهات مستفيدة أو منفذة لخطط وضعتها مؤسسات خارجية، وإنما بوصفها جهات تمتلك المعرفة والخبرة المحلية اللازمة لتحديد المشكلات والحلول المناسبة لها.

ويبرز المجتمع المدني بوصفه أحد أكثر الأطراف تضرراً من تراجع التمويل. ووفق بيانات "متتبع تجميد المساعدات العالمية" التي استند إليها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قالت أكثر من 70 بالمئة من منظمات المجتمع المدني التي شملتها الاستطلاعات منذ شباط/فبراير 2025 إنها اضطرت إلى تسريح موظفين، فيما أفادت قرابة 40 بالمئة منها بأنها سرحت 31 بالمئة أو أكثر من كوادرها.

ورغم هذه الضغوط، يشدد التحليل على استمرار أهمية تلك المنظمات في توفير خدمات الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن الدفاع عن الشفافية والمساءلة وأداء وظائف اجتماعية وتنموية أخرى في أنحاء العالم.

ويقترح الباحثان أن تبدأ المؤسسات التنموية المحلية عند التعامل مع أي أزمة بثلاث خطوات أساسية: تحديد جذور المشكلة، ومعرفة ما إذا كانت هناك حلول قائمة بالفعل، ثم تحديد العوائق البنيوية التي تمنع تلك الحلول من العمل، بدلاً من إنشاء هياكل وبرامج جديدة موازية لمؤسسات محلية موجودة.

أما القطاع الخاص، فيرى التحليل أنه قد يصبح لاعباً أكثر أهمية في النظام الجديد، بعدما أدى إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتراجع المساعدات الرسمية وقدرات المانحين التقليديين إلى ظهور فجوات بين الاحتياجات التنموية وما يجري توفيره فعلياً.

ويدعو التقرير الشركات إلى ربط أهدافها التنموية بأهدافها المؤسسية، والعمل مع المنظمات المحلية الموثوقة بطريقة تحافظ على استقلاليتها، مع الفصل بين الدعم التنموي الحقيقي والعلاقات العامة، وعدم تحويل التمويل إلى أداة للسيطرة على المؤسسات المستفيدة أو منعها من انتقاد الجهات الممولة.

ويخلص تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، إلى أن مستقبل التنمية لن تحدده الحكومات أو المؤسسات الخيرية أو الشركات أو المجتمع المدني منفردة، وإنما يتطلب تنسيقاً بين هذه الأطراف ومساءلة متبادلة، مع ضمان أن تكون التنمية مملوكة محلياً وأن تشارك المجتمعات المتأثرة في صياغة قراراتها.

ويحذر الباحثان أندرو فريدمان وهديل علي من أن غياب هذا التنسيق واستمرار النظام القائم من دون منح المجتمعات المحلية دوراً حقيقياً في صنع القرار سيؤديان إلى بقاء أثر الجهود التنموية محدوداً، مهما كان حجم الموارد التي تُضخ فيها.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً