بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
اقتصاد

خطة بـ170 مليار دولار سنوياً تطرح مساراً لإنهاء الفقر المدقع

بعد عقد من تباطؤ جهود مكافحة الفقر، يطرح تقرير بحثي حديث تصوراً جديداً يرى أن خفض الفقر المدقع إلى مستويات شبه معدومة لم يعد هدفاً بعيد المنال من الناحية المالية، مع إمكانية استخدام التحويلات النقدية الرقمية المباشرة للوصول إلى مئات الملايين من الأشخاص الأكثر فقراً حول العالم.

وبحسب تقرير نشرته مؤسسة بروكينغز الأميركية، وترجمته وكالة النبأ، ظل نحو 800 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع خلال عام 2025، في مؤشر إلى تعثر التقدم الذي حققه العالم خلال العقود السابقة في مواجهة الفقر.

وأعد التقرير الباحثان هومي خاراس ومايكل فاي، بمشاركة الباحثين بيرثا بانغارا-تشيكادزا، وبرايت سيمونز، وداودا سيمبيني، ودين كارلان، وجوشوا بلومنستوك، وزويرة يوسفّو، فيما شارك تايلر هول في العمل البحثي على الدراسة التي نشرتها مؤسسة بروكينغز في 13 آب/أغسطس 2026.

ويشير التقرير، إلى أن العالم حقق تقدماً كبيراً في مكافحة الفقر بين عامي 1990 و2015، إذ انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع بنحو 1.1 مليار شخص، مدفوعاً بالنمو الاقتصادي في البلدان الفقيرة وتحسن فرص العمل والأجور والإنتاجية الزراعية.

لكن هذا المسار بدأ يفقد زخمه بعد عام 2015، مع تركز الفقر بصورة متزايدة في دول هشة تعاني ضعف الاستثمار ومحدودية فرص النمو، فيما باتت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تستحوذ على نحو 67 بالمئة من إجمالي الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع.

ويرى الباحثون في مؤسسة بروكينغز الأميركية أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع الرقمي، إلى جانب الانتشار الواسع للهواتف المحمولة، يوفر فرصة لبناء نموذج أكثر كفاءة لمكافحة الفقر، يقوم على تحديد الأسر الأشد احتياجاً وإيصال الأموال إليها بصورة مباشرة.

وأظهرت تقييمات برامج التحويلات النقدية خلال العقدين الماضيين آثاراً إيجابية في الاستهلاك والأمن الغذائي والادخار وتراكم الأصول والتحاق الأطفال بالمدارس والاستفادة من الخدمات الصحية، إلى جانب تعزيز قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية، إلا أن معظم تلك التجارب ظلت محدودة جغرافياً ولم تُختبر بعد على مستوى دول بأكملها.

وتتمثل أبرز نتائج التقرير في تقدير حجم الأموال المطلوبة لإحداث تحول واسع في مستويات الفقر، إذ يقدر هومي خاراس ومايكل فاي وزملاؤهما أن خفض نسبة الفقر المدقع من 12 بالمئة إلى واحد بالمئة في 23 دولة تضم نحو نصف فقراء العالم يحتاج إلى قرابة 170 مليار دولار سنوياً، بما يعادل أقل من 500 دولار لكل شخص مستهدف.

وعند تعميم الحسابات على مستوى العالم، تقدر الكلفة بنحو 0.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل 30 دولاراً من كل عشرة آلاف دولار ينتجها الاقتصاد العالمي.

ولإظهار حجم هذا التمويل مقارنة بالثروات العالمية، يشير تقرير مؤسسة بروكينغز الأميركية إلى أن المبلغ المطلوب يعادل نحو 14 بالمئة فقط من الزيادة التي سجلتها ثروات مليارديرات العالم خلال عام 2025، وهو ما يدعم، بحسب الباحثين، إمكانية التعامل مع الفقر المدقع بوصفه مشكلة يمكن استهدافها وتمويل حلول مباشرة لها.

ويستند التقرير إلى نتائج دراسة تحليلية نُشرت عام 2025 وشملت 72 برنامجاً للتحويلات النقدية في 34 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، وأظهرت آثاراً إيجابية في الاستهلاك والدخل والمشاركة في سوق العمل والالتحاق بالمدارس والأمن الغذائي والصحة النفسية وامتلاك الأصول ونمو الأطفال.

ولم تجد الدراسة، بحسب ما أورده تقرير بروكينغز وترجمته وكالة النبأ، دليلاً في المتوسط على أن الحصول على التحويلات النقدية يدفع المستفيدين إلى ترك العمل، فيما أظهرت أن طريقة توزيع الأموال تؤثر في النتائج؛ إذ تميل المدفوعات المنتظمة إلى زيادة الاستهلاك، في حين تُستخدم المبالغ المقطوعة بدرجة أكبر في الاستثمار.

ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن الانتقال بهذه البرامج إلى المستوى الوطني يطرح مجموعة من التحديات، بينها الاستدامة المالية، ودقة تحديد المستفيدين، والقدرة الإدارية، والتأثير المحتمل في التضخم وأسعار الصرف والاقتصاد الكلي.

ويستشهد التقرير بتجربة في كينيا شهدت ضخ تحويلات نقدية كبيرة تعادل نحو 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي المحلي، لكنها أحدثت تضخماً محدوداً في الأسعار، وهي نتيجة يرى الباحثون أنها مشجعة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى اختبار الآثار الاقتصادية للتحويلات على نطاق دولة كاملة.

ومن هنا، يقترح الباحثان هومي خاراس ومايكل فاي الانتقال من التجارب الصغيرة إلى تجربة وطنية واسعة النطاق، تنفذ بالشراكة مع حكومة مستعدة لتطبيق البرنامج، على أن تخضع منذ بدايتها لتقييم علمي صارم يسمح بقياس آثارها الاقتصادية والاجتماعية وتحديد مدى إمكانية تعميمها.

ويقدر الباحثون أن إطلاق النموذج الأولي يحتاج إلى تمويل بنحو مليار دولار سنوياً لمدة خمس سنوات، معتبرين أن توفير هذا المبلغ يمكن أن يكون في متناول عدد محدود من كبار الأثرياء، من دون الحاجة في المرحلة الأولى إلى بناء توافق دولي واسع.

وتقوم الخطة التي عرضتها مؤسسة بروكينغز الأميركية على جمع خمسة مليارات دولار على مدى خمس سنوات، واختيار حكومة مستعدة لتنفيذ البرنامج على المستوى الوطني، ووضع نظام للتقييم والمراقبة منذ البداية، وتحديد معايير واضحة لقياس النجاح، إلى جانب تشكيل مجموعة استشارية مستقلة من الخبراء لمراجعة النتائج وتعزيز مصداقيتها.

ولا يقدم التقرير التحويلات النقدية باعتبارها بديلاً عن التنمية الاقتصادية أو الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة، إذ يؤكد الباحثون أنها "لا تبني الطرق ولا توفر العاملين في العيادات ولا تدرب المعلمين"، لكنها قد تشكل أداة مباشرة لإحداث تحسن دائم وقابل للقياس في حياة مئات الملايين من الأشخاص الذين ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع.

ويخلص تقرير مؤسسة بروكينغز الأميركية، إلى أن التجربة المقترحة قد توفر الحلقة المفقودة بين نجاح برامج التحويلات النقدية الصغيرة وإمكانية تحويلها إلى سياسة واسعة النطاق، بما يسمح باختبار ما إذا كان العالم يمتلك بالفعل أداة عملية قادرة على تسريع الوصول إلى نهاية الفقر المدقع.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً