كشفت دراسة بحثية حديثة أن التحدي الأكبر الذي قد تواجهه الصين في أي سيناريو مستقبلي لضم تايوان لن يكون السيطرة على الجزيرة بحد ذاتها، بل كيفية حكم مجتمع ديمقراطي يتمتع بهويته السياسية ومؤسساته المستقلة، في مهمة قد تمتد لعقود وتفرض على بكين تكاليف سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة.
وبحسب دراسة نشرها معهد لوي (Lowy Institute)، وترجمته وكالة النبأ، فإن التفكير الصيني بشأن تايوان شهد تحولاً من التركيز على ترتيبات "التوحيد السلمي" إلى تصورات تقوم على دمج الجزيرة بصورة أعمق في النظام السياسي الصيني. وأوضح التقرير أن الدراسة مولها بصورة مشتركة معهد لوي ومؤسسة راند (RAND)، فيما نفذ جانب من العمل بصورة مستقلة عبر مركز راند لأبحاث الصين.
وترى الدراسة، التي استندت إلى أدبيات أكاديمية وقانونية وبحثية منشورة داخل الصين، أن ترسخ الديمقراطية والهوية التايوانية دفع باحثين صينيين إلى التعامل مع مسألة "ما بعد التوحيد" باعتبارها تحدياً طويل الأمد، يتجاوز حسم الصراع العسكري إلى إعادة تشكيل المؤسسات والنظام السياسي والهوية العامة في الجزيرة.
وتشير الدراسة إلى أن بعض التصورات التي يناقشها باحثون صينيون تقوم على مراحل تبدأ بإجراءات أمنية تستهدف تحييد القوى السياسية المعارضة لبكين، يعقبها تغيير مؤسساتي قد يتجاوز في مداه ما جرى في هونغ كونغ، وصولاً إلى مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية للسكان. ووفق تقديرات الدراسة، قد يؤدي تطبيق أكثر هذه التصورات تشدداً إلى استبعاد ملايين التايوانيين من الحياة العامة، فضلاً عن احتمال سجن عدد من القيادات السياسية الحالية.
لكن الدراسة شددت على أن الأدبيات الصينية التي اعتمدت عليها لا تمثل بالضرورة خطة رسمية للحكومة الصينية، بل توفر نافذة على النقاش الدائر داخل الأوساط الأكاديمية والسياساتيّة في الصين بشأن كيفية التعامل مع الجزيرة إذا انتقلت إلى سيطرة بكين. وأشارت إلى أن ورقة نشرها باحثون في مركز دراسات بمدينة شيامن عام 2024 دعت إلى إنشاء "حكومة ظل" لتايوان في البر الرئيسي استعداداً لتولي إدارة الجزيرة، قبل أن تختفي الورقة لاحقاً من الإنترنت الصيني.
وتلفت الدراسة إلى أن التركيز الدولي ينصب عادة على سيناريوهات الغزو أو الحصار البحري، في حين أن مرحلة ما بعد السيطرة قد تكون أكثر تعقيداً، إذ ستواجه بكين، وفق معدي الدراسة، مجتمعاً عالي الدخل يتمتع بنظام ديمقراطي ومؤسسات مدنية راسخة وثقافة قانونية مستقلة وإعلام حر واقتصاد شديد الاندماج في شبكات التكنولوجيا والتجارة العالمية.
وتستعرض الدراسة نماذج تاريخية يناقشها باحثون صينيون عند دراسة سيناريوهات تايوان، من بينها نماذج مستمدة من حصار تشانغتشون عام 1948 والتجربة الصينية في التبت ودخول القوات الشيوعية إلى بكين، إلى جانب تجربة روسيا في شبه جزيرة القرم عام 2014. وتوضح أن هذه النماذج لا تمثل خططاً عملياتية معتمدة، لكنها تكشف طريقة تفكير بعض الباحثين الصينيين في الجمع بين الضغط العسكري والتفكيك السياسي للخصم وترسيخ السيطرة بعد انتهاء المواجهة.
ويحتل ملف الهوية التايوانية مساحة رئيسية في الدراسة، إذ ترى الأدبيات التي حللها الباحثون أن السيطرة العسكرية أو القانونية لا تكفي لضمان قبول السكان بالنظام الجديد، وأن المشكلة الأكثر تعقيداً تتمثل في مجتمع تشكلت هويته السياسية خلال عقود خارج النظام السياسي لجمهورية الصين الشعبية، وترسخت فيه الانتخابات والإعلام المستقل والمجتمع المدني ومفاهيم السيادة الشعبية.
وفي هذا السياق، تتوقع التصورات التي استعرضتها الدراسة أن يصبح التعليم إحدى الأدوات الأساسية لإعادة تشكيل الهوية بعد أي توحيد، من خلال تعديل المناهج والسرديات التاريخية وتعزيز مفهوم الانتماء إلى الصين. كما أوردت الدراسة تصريحات سابقة لدبلوماسيين صينيين تحدثوا صراحة عن الحاجة إلى عملية "إعادة تعليم" للسكان في تايوان عقب التوحيد.
ووفق الدراسة، قد يمتد التحول أيضاً إلى التربية المدنية والجامعات والمؤسسات التعليمية، إذ تناقش بعض الأدبيات الصينية فرض ضوابط تضمن تولي أشخاص موالين للوحدة المناصب الحساسة في قطاع التعليم، بالتوازي مع رقابة أكبر على الأفكار التي تعدها بكين مهددة للوحدة أو الأمن القومي.
كما يتوقع أن يكون الإعلام والفضاء المعلوماتي جزءاً من عملية إعادة الهيكلة، إذ تتحدث الأدبيات التي استعرضتها الدراسة عن الحد من الروايات التي تتحدى السيادة الصينية، مقابل تعزيز خطاب ثقافي وإعلامي يرسخ الهوية الوطنية ويقدم التوحيد باعتباره امتداداً تاريخياً للدولة الصينية.
أما اقتصادياً، فتشير الدراسة إلى أن بكين قد تنظر إلى التكامل الاقتصادي ليس باعتباره وسيلة لتحسين النمو والمعيشة فحسب، وإنما باعتباره أيضاً "بنية تحتية سياسية" يمكن من خلالها زيادة ارتباط الشركات والأفراد والمؤسسات التايوانية بالبر الرئيسي، بما يخلق شبكة من المصالح والاعتماد المتبادل تساعد على تثبيت النظام الجديد. لكنها تشير إلى أن الأدبيات الصينية نفسها لا تعتبر الازدهار الاقتصادي كافياً لإنتاج الولاء السياسي.
وتخلص الدراسة إلى وجود تناقضات جوهرية داخل التصورات الصينية نفسها، إذ تحتاج بكين، من جهة، إلى منح تايوان قدراً من الاستقلالية لتقليل المقاومة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، لكنها، من جهة أخرى، لا ترغب في منح هذه الاستقلالية ضمانات قد تحد من سلطة الحكومة المركزية.
وتضيف أن السيطرة قد تحقق الاستقرار الأمني على المدى القصير، لكنها لا تضمن الشرعية السياسية أو قبول السكان، كما أن الاندماج الاقتصادي لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الموافقة السياسية. ولذلك ترى الدراسة أن نجاح أي نموذج صيني لحكم تايوان سيكون "مكلفاً ومتنازعاً عليه وغير مؤكد" على المدى الطويل، وقد يصل في أسوأ السيناريوهات إلى اضطراب واسع في النظامين المدني والسياسي.
وبذلك، تخلص دراسة معهد لوي (Lowy Institute) إلى أن السؤال الأكثر تعقيداً في استراتيجية بكين تجاه الجزيرة قد لا يكون كيف تسيطر الصين على تايوان، وإنما كيف تستطيع حكمها بعد ذلك، في ظل التناقض بين متطلبات السيطرة السياسية والحاجة إلى بناء شرعية قابلة للاستمرار لعقود.
أضف تعليقاً