دعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات الإسبانية إلى تحرك عاجل لمعالجة أوضاع آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء العالقين في مدينة سبتة، محذرة من أن بقاء أعداد كبيرة منهم في الشوارع والمناطق المفتوحة من دون مأوى أو خدمات كافية يعرضهم لمخاطر العنف والاستغلال، ولا سيما النساء والأطفال غير المصحوبين بذويهم.
وقالت المنظمة، في تقرير ترجمته وكالة النبأ، إن الحكومة الإسبانية والسلطات المحلية في سبتة مطالبتان بتوفير مأوى مناسب للمهاجرين الذين دخلوا الجيب الإسباني قادمين من المغرب في نهاية تموز، وضمان إتاحة إجراءات اللجوء للراغبين في طلب الحماية الدولية.
وقالت جوديث سندرلاند، المديرة المشاركة الأولى في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في "هيومن رايتس ووتش"، إن "آلاف الأشخاص في الشوارع عالقون في فراغ قانوني، ومعرضون للعنف الجنسي، وبدون مأوى أو طعام أو خدمات صحية كافية منذ نحو ثلاثة أسابيع".
واستندت المنظمة في تقييمها إلى زيارة بحثية أجرتها في سبتة بين 15 و18 آب، تحدث خلالها باحثوها مع 76 مهاجراً، بينهم 37 بالغاً وخمسة أطفال غير مصحوبين بذويهم في مقابلات فردية، فضلاً عن محادثات جماعية وقصيرة مع 34 شخصاً آخرين.
وجاءت الأزمة بعد وصول أعداد كبيرة من المهاجرين وطالبي اللجوء سباحة من المغرب إلى سبتة يومي 30 و31 تموز، فيما لا تزال التقديرات متباينة بشأن عدد الموجودين داخل المدينة.
وبحسب التقرير، قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا غوميز إن نحو خمسة آلاف شخص كانوا لا يزالون في سبتة حتى 13 آب، بينما قدرت منظمات محلية تحدثت إلى "هيومن رايتس ووتش" العدد بما قد يصل إلى عشرة آلاف شخص.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة إلما سايز ديلغادو إنشاء أربعة مخيمات تضم خياماً تستوعب 1500 بالغ، وبدأ نقل المهاجرين إلى موقعين منها في 20 آب، إلا أن المنظمة ترى أن الطاقة الاستيعابية المعلنة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات.
وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن أكثر من ألف رجل وصبي يعيشون في ملاجئ مرتجلة على شاطئ ترامبولين، فيما ينتشر آلاف آخرون في الشوارع والمستودعات القريبة من الحدود المغربية والمناطق الحرجية المحيطة بالمدينة.
أما النساء والفتيات، فتقيم نحو 700 إلى 750 منهن في منشأتين رياضيتين مفتوحتين وفرتْهما جمعيات محلية، بينما لا تزال أخريات يعشن في الشوارع، وسط نقص في الحمامات ومرافق الاستحمام والخدمات الأساسية.
ونقل تقرير "هيومن رايتس ووتش" شهادة محمود، وهو فلسطيني يبلغ 36 عاماً من غزة، قال فيها إنه بقي في الأيام الأولى من دون طعام واعتمد على الماء، قبل أن يمكث عشرة أيام في الجبال ثم ينتقل إلى الشاطئ.
وتثير قضية الوصول إلى إجراءات اللجوء مخاوف حقوقية إضافية، إذ قالت المنظمة إنها لم تجد، حتى 20 آب، مؤشرات على بدء السلطات الإسبانية إجراءات قانونية أو تقييمات فردية للبالغين على نطاق يتناسب مع الأزمة.
وتحدث باحثو المنظمة مع مهاجرين من السودان وتونس والجزائر واليمن والصومال ومصر وسوريا وتشاد والسنغال، إضافة إلى المغاربة الذين يشكلون غالبية الوافدين، وأعرب عدد منهم عن رغبته في تقديم طلبات لجوء داخل إسبانيا.
كما وثق التقرير شهادات لنساء مغربيات قلن إنهن هربن من العنف الأسري، ومن بينهن امرأة تبلغ 47 عاماً وصلت إلى سبتة برفقة ابنها البالغ 11 عاماً، وقالت إنها فرت من زوج سابق عنيف بعدما أخفقت محاولاتها للحصول على الحماية في المغرب.
وتزداد المخاوف مع ورود بلاغات عن اعتداءات جنسية، ووفق المنظمة، قال أربعة أطباء طوارئ إنهم تعاملوا مع حالات اعتداء جنسي واغتصاب طالت امرأتين وست فتيات، من بينهن طفلتان تبلغان 14 و11 عاماً.
وأفادت النيابة العامة في سبتة، بحسب التقرير، بتلقي 13 بلاغاً عن اعتداءات جنسية بين 30 تموز و17 آب، وكان معظم الضحايا من غير سكان المدينة.
ويشكل الأطفال غير المصحوبين بذويهم أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية، وسط اختلاف واضح في الأرقام الرسمية. وأفاد مصدر في حكومة سبتة بأن السلطات كانت تتولى رعاية 1385 طفلاً حتى 18 آب، بينما قالت وزارة الداخلية إن الشرطة سجلت 2168 طفلاً غير مصحوبين بذويهم.
ويزداد الضغط على السلطات مع اقتراب العام الدراسي، إذ تُستخدم مدرستان حالياً لإيواء الأطفال بصورة مؤقتة، فيما يجري البحث عن مواقع بديلة لإخلائهما قبل بدء الدراسة في أيلول.
وتطرقت "هيومن رايتس ووتش" كذلك إلى الوفيات المرتبطة بعمليات العبور، مشيرة إلى أن السلطات الإسبانية سجلت رسمياً 82 وفاة، فيما قدرت منظمة "كاميناندو فرونتيراس" وجود 67 وفاة أخرى على الأقل في الجانب المغربي.
وحذرت المنظمة من أن استمرار الأزمة قد يفاقم التوترات الاجتماعية في سبتة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 85 ألف نسمة، رغم مشاركة جمعيات محلية وسكان في تقديم الغذاء والمأوى والمساعدات الإنسانية للوافدين.
وترى "هيومن رايتس ووتش" أن السلطات الإسبانية مطالبة بتوفير استقبال ملائم للمهاجرين، سواء داخل سبتة أو في مناطق أخرى من إسبانيا، وإجراء تقييمات فردية تتيح للأشخاص الحصول على المشورة القانونية والمعلومات بلغة يفهمونها.
كما شددت على أن "الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان" تحظر الطرد الجماعي، داعية إسبانيا إلى دراسة طلبات اللجوء بصورة فردية، وعدم إعادة مواطني دول ثالثة إلى المغرب من دون تقييم احتياجاتهم للحماية، وإخضاع تحديد أعمار الأطفال غير المصحوبين بذويهم لإجراءات متعددة التخصصات تراعي مصالحهم الفضلى.
وقالت سندرلاند إن السلطات الإسبانية ينبغي ألا تسمح للدعوات المطالبة بالترحيل الجماعي بأن تحول دون الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، مؤكدة ضرورة "إجراء تقييمات عادلة وفردية لطلبات الحماية ومعاملة جميع المهاجرين بكرامة".
وتضع الأزمة سبتة أمام اختبار يتجاوز إدارة تدفق المهاجرين إلى قضية تتعلق بحقوق الإنسان والحماية الدولية، في ظل تداخل الحق في اللجوء مع أوضاع الأطفال والعنف الجنسي وظروف الإيواء، والمخاوف من أن تتحول الضغوط الإنسانية المتزايدة إلى أزمة اجتماعية أوسع داخل المدينة.
أضف تعليقاً