شهدت أعداد اللاجئين الذين أعادت الولايات المتحدة توطينهم تراجعاً حاداً خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وسط مؤشرات على أن العام المالي 2026 قد يسجل أدنى مستوى لاستقبال اللاجئين في البلاد منذ عقود، وفق تحليل لمركز بيو للأبحاث استند إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية.
وبحسب تقرير نشره مركز بيو للأبحاث الأميركي تابعته وكالة النبأ" استقبلت الولايات المتحدة 10 آلاف و258 لاجئاً خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، التي تنتهي في 30 سبتمبر/أيلول المقبل، مقارنة بنحو 38 ألفاً و102 لاجئ في السنة المالية 2025، وأكثر من 100 ألف لاجئ في السنة المالية 2024.
وبحسب التقرير ان" إدارة ترامب نشرت سقف قبول اللاجئين خلال السنة المالية الحالية عند 17 ألفاً و500 لاجئ، وهو أدنى سقف سنوي تحدده الحكومة الأميركية منذ مطلع القرن الحالي على الأقل، ما يعني أن العدد الإجمالي قد يرتفع قبل انتهاء السنة المالية، لكنه سيبقى عند مستويات منخفضة تاريخياً.
ويشير التقرير ان" أعداد اللاجئين المقبولين في الولايات المتحدة تاثر تاريخياً بالتغيرات السياسية والأزمات الدولية. ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، علقت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش معالجة طلبات اللاجئين مؤقتاً، فيما فرض ترامب خلال ولايته الأولى عام 2017 قيوداً واسعة على برنامج إعادة التوطين، شملت تعليق البرنامج ومنع دخول مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة.
وبعد توليه الرئاسة عام 2021، اتجه الرئيس جو بايدن إلى توسيع البرنامج ورفع سقف استقبال اللاجئين إلى مستويات قياسية خلال القرن الحادي والعشرين.
الأفريكانرز في صدارة المقبولين
وبين ان" تركيبة اللاجئين المقبولين خلال السنة المالية 2026 شهدت تحولاً لافتاً، إذ أصبح القادمون من جنوب أفريقيا يشكلون الغالبية الساحقة من اللاجئين الذين أعادت الولايات المتحدة توطينهم.
ويأتي هذا الارتفاع في أعقاب أمر تنفيذي أصدره ترامب عام 2025، قضى بإعطاء الأولوية لإعادة توطين الأفريكانرز، وهم مجموعة عرقية تنحدر أساساً من مستوطنين أوروبيين، خصوصاً الهولنديين والألمان والفرنسيين، استقروا في جنوب أفريقيا.
وبررت الإدارة الأميركية هذه الأولوية بادعاءات بشأن تعرض الأفريكانرز لما وصفته بالتمييز العنصري برعاية حكوميةفي جنوب أفريقيا، وهي ادعاءات قوبلت برفض وانتقادات، فيما أشارت تقارير إلى عدم ثبوت بعض المزاعم التي استند إليها القرار.
وبحسب البيانات، استقبلت الولايات المتحدة 10 آلاف و255 لاجئاً من جنوب أفريقيا حتى الآن خلال السنة المالية 2026، في تحول كبير مقارنة بالسنوات السابقة، إذ لم تكن جنوب أفريقيا من بين أبرز مصادر اللاجئين إلى الولايات المتحدة.
غياب اللاجئين من الكونغو وأفغانستان
وفي المقابل، غابت مجموعات كانت تتصدر قوائم اللاجئين المقبولين في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية.
وكان لاجئو جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثلون المجموعة الأكبر من اللاجئين الذين أعادت الولايات المتحدة توطينهم سنوياً بين عامي 2016 و2024، في ظل الصراع المستمر وأزمات النزوح التي تشهدها البلاد. إلا أن البيانات الحالية تشير إلى عدم استقبال أي لاجئ من الكونغو الديمقراطية خلال السنة المالية 2026 حتى الآن.
كما تراجع استقبال اللاجئين الأفغان بصورة كبيرة، رغم أنهم كانوا ضمن أكبر خمس مجموعات من اللاجئين المقبولين سنوياً بين عامي 2019 و2025. وشكل الأفغان نحو 18 بالمئة من إجمالي اللاجئين الذين استقبلتهم الولايات المتحدة في السنة المالية 2025، بينما لم تستقبل البلاد خلال السنة المالية الحالية سوى ثلاثة لاجئين أفغان حتى الآن.
الولايات المتحدة تتراجع عالمياً
ويأتي هذا التراجع في وقت تفقد فيه الولايات المتحدة موقعها التقليدي كأكبر دولة في العالم في مجال إعادة توطين اللاجئين.
فوفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن عام 2025، أعادت كندا توطين نحو 39 ألف لاجئ، فيما استقبلت أستراليا قرابة 19 ألفاً، مقابل نحو 11 ألفاً و500 لاجئ أعادت الولايات المتحدة توطينهم.
وتشير المفوضية إلى أن بياناتها تعتمد السنوات الميلادية، في حين تعتمد البيانات الأميركية السنة المالية، ولذلك لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين الأرقام، إلا أن الاتجاه العام يعكس تراجع الدور الأميركي في إعادة توطين اللاجئين مقارنة بما كان عليه خلال العقود السابقة.
انقسام في الموقف الشعبي
ورغم التحول في السياسة الحكومية، لا يزال الرأي العام الأميركي يميل إجمالاً إلى تأييد استقبال اللاجئين الفارين من مناطق العنف.
وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن 36 بالمئة من الأميركيين يرون أن استقبال اللاجئين من الدول التي يفر سكانها من العنف أمر مهم جداً أو مهم للغاية، بينما اعتبره 39 بالمئة أمراً مهماً إلى حد ما. في المقابل، رأى نحو ربع المشاركين أن الأمر غير مهم كثيراً أو غير مهم على الإطلاق.
وتظهر القضية انقساماً حزبياً واضحاً، إذ يميل الديمقراطيون عادة إلى تأييد استقبال اللاجئين بدرجة أكبر من الجمهوريين.
كما يتأثر موقف الأميركيين بطبيعة الأزمات ومصادر اللاجئين؛ ففي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، أيد 69 بالمئة من الأميركيين، ولو جزئياً، استقبال لاجئين أوكرانيين، بينما بلغت نسبة المؤيدين لاستقبال لاجئين أفغان بعد انسحاب القوات الأميركية وسيطرة حركة طالبان عام 2021 نحو 56 بالمئة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن سياسة إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة تشهد تحولاً عميقاً خلال ولاية ترامب الثانية، ليس فقط من حيث انخفاض الأعداد الإجمالية، وإنما أيضاً من حيث تغير جنسيات وفئات اللاجئين الذين تمنحهم واشنطن الأولوية، في وقت تتراجع فيه حصة الولايات المتحدة من عمليات إعادة التوطين العالمية.
س ع
أضف تعليقاً