في وقت تتسارع فيه مؤشرات تغير المناخ وتتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات الحر القياسية والفيضانات إلى الجفاف وحرائق الغابات، تواجه وسائل الإعلام سؤالاً متزايد الأهمية: هل تكتفي بتغطية الكارثة، أم تبحث أيضاً عن الأسباب والجهات التي تتحمل مسؤولية تفاقمها؟
وتشير انتقادات متزايدة إلى أن جزءاً من التغطية الإعلامية لأزمة المناخ يركز على الحدث ونتائجه المباشرة، بينما يتراجع الاهتمام بالعوامل البشرية والاقتصادية والسياسية التي تسهم في تفاقم الظواهر المناخية.
تراجع الاهتمام الإعلامي بالمناخ
وتأتي هذه الانتقادات في وقت شهدت فيه التغطية الإعلامية العالمية للمناخ تراجعاً ملحوظاً. فبحسب مرصد الإعلام وتغير المناخ، انخفض حجم التغطية في عام 2025 بنسبة 14 بالمئة مقارنة بعام 2024، وبنسبة 38 بالمئة عن الذروة التي سجلتها التغطية في عام 2021، لتحتل تغطية العام الماضي المرتبة العاشرة بين مستويات التغطية المسجلة خلال أكثر من عقدين.
ويربط المرصد جانباً من هذا التراجع بتغير الأولويات السياسية والاقتصادية، إلى جانب التقليصات التي طالت غرف الأخبار في مؤسسات إعلامية عديدة.
وفي الولايات المتحدة، لم تتجاوز مدة التغطية المناخية التي بثتها شبكات التلفزيون الرئيسية نحو 12 ساعة و51 دقيقة خلال عام 2024. وفي العام التالي، لم تشارك أي من شبكات البث الأمريكية الأربع الكبرى، "سي بي إس" و"إن بي سي" و"إيه بي سي" و"فوكس"، في تغطية مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ "كوب 30".
كما أدت عمليات تسريح الصحفيين وتقليص أقسام البيئة والمناخ في مؤسسات إعلامية كبرى إلى تراجع عدد المتخصصين القادرين على متابعة الملفات المناخية بصورة معمقة.
من "الكارثة الطبيعية" إلى المسؤولية البشرية
وتبرز المشكلة بصورة أكبر عند تغطية الكوارث المناخية، إذ قد تستخدم بعض التقارير لغة تقدم الظاهرة باعتبارها حدثاً طبيعياً منفصلاً عن السياق الذي أدى إلى تفاقمها.
وفي فرنسا، قالت منظمة "أكريميد" المعنية بتحليل الإعلام إن بعض التغطيات تعاملت مع موجات الحر والحرائق باعتبارها نتيجة لـ"نزوات الطبيعة"، بدلاً من وضعها في سياق الاحترار العالمي الناجم أساساً عن النشاط البشري.
وفي تغطية حرائق الغابات، ركزت بعض وسائل الإعلام على احتمال وجود أشخاص يتعمدون إشعال الحرائق، وعلى عمليات الاعتقال والتحقيق، في حين لم تحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام عوامل أخرى يمكن أن تحدد حجم الكارثة، مثل جفاف التربة، وارتفاع درجات الحرارة، وإدارة الغابات، والتخطيط العمراني واستخدام الأراضي.
وترى "أكريميد" أن تحديد الشخص الذي أشعل حريقاً لا يفسر بالضرورة سبب تحول حريق محدود إلى كارثة واسعة، لأن شدة الحريق تتأثر أيضاً بالظروف المناخية والبيئية التي تهيئ الأرض لانتشار النيران.
الاقتصاد والمناخ.. من يدفع ثمن الأزمة؟
ولا يقتصر الجدل على تغطية الكوارث، بل يمتد إلى الطريقة التي تتناول بها وسائل الإعلام العلاقة بين تغير المناخ والاقتصاد.
ففي بعض التغطيات، يجري التركيز على تأثير ارتفاع درجات الحرارة في الإنتاجية والأرباح، بدلاً من التوسع في مناقشة مساهمة القطاعات الاقتصادية عالية الانبعاثات في تفاقم الأزمة المناخية.
وترى دراسات وأبحاث أكاديمية أن النمو الاقتصادي القائم على زيادة الاستهلاك يمكن أن يتعارض في بعض الحالات مع أهداف الاستدامة البيئية، خصوصاً عندما يرتبط بزيادة استخدام الموارد والطاقة وارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة.
وتقول جامعة مانشستر إن النظام الاقتصادي الحديث شجع على الاستهلاك بوصفه محركاً للنمو، محذرة من أن زيادة الاستهلاك يمكن أن تؤدي إلى مزيد من النفايات والانبعاثات، وبالتالي إلى تكاليف بيئية طويلة الأمد.
لكن التغطية الإعلامية قد تحول النقاش، في بعض الأحيان، من مسؤولية القطاعات الاقتصادية والسياسات العامة إلى مسؤولية الأفراد عن التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.
التكيف.. ضرورة أم تحويل للمسؤولية؟
يعد التكيف مع تغير المناخ ضرورة متزايدة مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر والظواهر المتطرفة، لكن منتقدين يرون أن التركيز عليه وحده قد يحجب النقاش بشأن الحد من مسببات تغير المناخ.
وتظهر هذه الإشكالية في التغطيات التي تتناول وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء والمراوح، باعتبارها حلولاً مباشرة للتعامل مع موجات الحر، من دون التطرق بالقدر نفسه إلى السياسات التي يمكن أن تقلل الانبعاثات أو تجعل المدن والمباني أكثر قدرة على تحمل ارتفاع درجات الحرارة.
وهنا يصبح السؤال الإعلامي أكثر تعقيداً: كيف يمكن تقديم نصائح عملية للناس بشأن التكيف مع واقع مناخي متغير، من دون تحويلهم وحدهم إلى الطرف المسؤول عن التعامل مع أزمة تتداخل فيها قرارات الحكومات والشركات والقطاعات الاقتصادية؟
الصحافة بين التغطية والمساءلة
ويقول منتقدو التغطية الحالية إن الصحافة المناخية لا ينبغي أن تكتفي بتوثيق درجات الحرارة والحرائق والفيضانات، بل عليها أيضاً أن تطرح أسئلة تتعلق بمن يقرر السياسات، ومن ينتج الانبعاثات، ومن يستفيد اقتصادياً من الأنشطة المرتبطة بها، ومن يتحمل تكلفة الأضرار.
وفي المقابل، فإن تسمية المسؤول لا تعني تحميل جهة محددة مسؤولية كل ظاهرة جوية متطرفة؛ فالعلاقة بين تغير المناخ والحدث المناخي الفردي تحتاج إلى أدلة علمية وتحليل دقيق يميز بين تأثير الاحترار العالمي والعوامل الطبيعية والمحلية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام الصحافة لا يكمن فقط في زيادة عدد التقارير المناخية، وإنما في تحسين نوعيتها أيضاً، وربط الحدث بسياقه العلمي والسياسي والاقتصادي، مع تجنب التبسيط أو تحويل التغطية إلى محاكمة سياسية.
فكلما أصبحت آثار تغير المناخ أكثر حضوراً في الحياة اليومية، تزداد الحاجة إلى صحافة لا تسأل فقط: ماذا حدث؟ بل أيضاً: لماذا حدث؟ ومن الذي أسهم في صنع الظروف التي جعلته أكثر خطورة؟ ومن يتحمل تكلفة مواجهته؟
أضف تعليقاً