بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

هل يزيد الذكاء الاصطناعي من احتمالات الحرب البيولوجية؟

بقلم كارل زيمر

من بين المخاوف المتزايدة بشأن الذكاء الاصطناعي  (Artificial Intelligence)، برز تهديد مثير للقلق بصورة خاصة: احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في ابتكار موجة جديدة من الأسلحة البيولوجية.

في أبريل/نيسان، حذّر خبراء في الأمن البيولوجي (Biosecurity) من أنه من السهل بصورة مقلقة الحصول على نصائح من روبوتات الدردشة (Chatbots) حول جعل مسببات الأمراض (Pathogens) أكثر خطورة. وفي يونيو/حزيران، وقّع علماء ومسؤولون تنفيذيون في شركات الذكاء الاصطناعي رسالة مفتوحة تدعو إلى فرض ضوابط جديدة على تصنيع الحمض النووي (DNA)، لأن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على تسريع تصميم السموم والفيروسات.

وفي أغسطس/آب، أفاد علماء بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لبناء فيروسات لم تُشاهد في الطبيعة. ويوم الخميس، أعلنت شركة Anthropic (أنثروبيك) أنها أوقفت عدة محاولات لاستخدام نماذجها من جانب أشخاص ربما كانوا يحاولون تحويل مسببات الأمراض إلى أسلحة.

وأعقب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic (أنثروبيك)، ذلك بدعوة يوم السبت إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، مع مجموعة من المقترحات للحفاظ على سلامته.

وكتب الدكتور أمودي أن من الحكمة حظر "استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأسلحة البيولوجية أو السماح للمستخدمين بالقيام بذلك".

وقد تعطي هذه التطورات انطباعًا بأن الجهات السيئة بات بإمكانها الآن إطلاق أوبئة غير معروفة سابقًا على العالم، وكل ذلك بفضل الذكاء الاصطناعي.

لكن درو إندي، عالم الأحياء التركيبية (Synthetic Biology) في جامعة ستانفورد، والذي شارك في تأليف تقرير حول الأمن البيولوجي العام الماضي، قال إن روبوتات الدردشة الحالية، مثل Claude(كلود) التابع لشركة Anthropic (أنثروبيك)، لا تمثل تحولًا جذريًا في التهديد الذي تشكله الأسلحة البيولوجية.

وقال: "من حيث التأثير الصافي على مخاطر أمننا البيولوجي في الوقت الراهن، أجد أنه متواضع".

وأضاف أن ذلك قد يتغير مع تطوير العلماء نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة في الأبحاث البيولوجية.

وبالفعل، تستطيع هذه النماذج توليد جينومات (Genomes) لفيروسات قابلة للحياة لم تُكتشف في الطبيعة. ومن المتصور أن تتمكن هذه النماذج في نهاية المطاف من استخدام تلك الجينومات الجديدة لصنع أسلحة جديدة.

يمكن أن يكون السلاح البيولوجي فيروسًا أو مسببًا مرضيًا آخر، مثل البكتيريا أو الفطريات، جرى تصميمه لإطلاقه ضد الجيوش أو المدنيين. وقد يأخذ أيضًا شكل سموم تنتجها الكائنات الحية، مثل سم البوتولينوم (Botulinum) الذي تنتجه البكتيريا، أو الريسين (Ricin) المستخلص من نباتات الخروع.

(وتختلف الأسلحة البيولوجية عن الأسلحة الكيميائية (Chemical Weapons)، مثل غاز الأعصاب، الذي يصنّعه العلماء في المختبرات.)

منذ العصور الوسطى، حاولت الجيوش استخدام الأمراض كسلاح. ففي عام 1346، حمّل المغول جثث أشخاص ماتوا بسبب الطاعون الدبلي (Bubonic Plague) على المقاليع وقذفوا بها إلى مدينة كافا على البحر الأسود.

وبعد خمسة قرون، عندما طور العلماء نظرية الجراثيم المسببة للأمراض  (Germ Theory of Disease)، أصبحت تلك الجهود أكثر دقة. وخلال الحرب العالمية الأولى، تسلل جواسيس ألمان إلى الولايات المتحدة ودول أخرى حاملين قوارير من البكتيريا. واستخدموها لقتل آلاف الخيول والبغال.

وقد حظر بروتوكول جنيف (Geneva Protocol) الحرب البيولوجية، لكن القوى العظمى طورت أسلحة بيولوجية رغم ذلك. وفي نهاية المطاف، امتلكت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مخزونات ضخمة، تراوحت بين قنابل الجمرة الخبيثة (Anthrax Bombs) وبالونات محملة بفطريات قاتلة للقمح.

وبعد توقيع اتفاقية الأسلحة البيولوجية (Biological Weapons Convention) عام 1975، دمرت الولايات المتحدة مخزوناتها الضخمة، لكنها واصلت دراسة الأسلحة البيولوجية لتطوير وسائل دفاع ضدها. أما الاتحاد السوفيتي، فقد أجرى سرًا مزيدًا من الأبحاث حول مسببات الأمراض، مثل الجدري، من أجل جيل جديد من الأسلحة البيولوجية.

وكل ذلك يعني أن تهديد الأسلحة البيولوجية كان حقيقيًا جدًا قبل ظهور OpenAI (أوبن إيه آي) وAnthropic (أنثروبيك) بوقت طويل. ومع ذلك، وبحسب ما هو معروف علنًا، تسببت الأسلحة البيولوجية في عدد قليل جدًا من الوفيات منذ الحرب العالمية الثانية، لأسباب لا تزال غير واضحة.

وقال الدكتور توماس إنغلسبي، مدير مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي (Johns Hopkins Center for Health Security): "لا نعرف ما الذي جرت تجربته وفشل، وما الذي جرى ردعه، وما كان صعبًا للغاية من الناحية التكنولوجية".

وأضاف الدكتور إنغلسبي أن هذا التهديد لا يزال قائمًا، مشيرًا إلى أن الشخص الذي يحاول صنع أسلحة بيولوجية اليوم يستطيع استخدام أدوات قوية لم يكن بإمكان الأجيال السابقة سوى الحلم بها.

فعلى سبيل المثال، أصبح تصنيع الحمض النووي سريعًا ورخيصًا. وفي عام 2016، أفاد علماء كنديون بأنهم أعادوا إنتاج فيروس جدري الخيل (Horsepox Virus)، وهو فيروس مرتبط بالجدري اختفى من الطبيعة خلال العقود الأخيرة.

وقسّم العلماء تسلسلات جينوم الفيروس إلى أجزاء، ثم أرسلوها عبر البريد الإلكتروني إلى شركة متخصصة في تصنيع الحمض النووي. وأرسلت الشركة جزيئات الحمض النووي إلى العلماء، الذين قاموا بتجميعها في جينوم فيروسي وأدخلوه إلى الخلايا.

ثم أنتجت الخلايا المصابة فيروسات جدري خيل حقيقية. وفي ذلك الوقت، اعتُبر هذا إنجازًا لافتًا، وإن كان مثيرًا للقلق. لكن التطورات في تصنيع الحمض النووي وتقنيات أخرى تجعل مثل هذه العملية اليوم أرخص وأسهل.

والآن، قد تستشير روبوتات الدردشة الأدبيات العلمية للإجابة عن أسئلة قد يطرحها شخص يصنع أسلحة بيولوجية. وقال الدكتور إنغلسبي إن هذه مهمة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتفوق فيها، إذ يوفر للجهات السيئة معلومات تفوق بكثير ما يمكنها جمعه من خلال عمليات البحث البسيطة على الإنترنت.

وقال عن الذكاء الاصطناعي: «إنه يهدف إلى جعل المعلومات قابلة للاستخدام. فهو يسمح للمستخدمين بالعودة ذهابًا وإيابًا عددًا لا نهائيًا من المرات لمعالجة المشكلات وشرحها بمزيد من التفصيل، مع توفير الموارد التقنية المناسبة تمامًا لدعم الأمور».

وقال الدكتور إندي إنه سعيد برؤية Anthropic (أنثروبيك) وهي تفحص الاستفسارات بحثًا عن دوافع خطرة.

وأضاف: "إذا أخذت الأمر على ظاهره، فيبدو أن الفريق في Anthropic يحاول أن يكون مواطنًا صالحًا. لديهم أداة جديدة، وهم يحاولون التعامل معها بمسؤولية".

وقد جرى تدريب نماذج اللغة الكبيرة (Large Language Models) التي بنتها شركات مثل Anthropic (أنثروبيك) على كميات هائلة من النصوص، بما في ذلك سجلات الأعمال التي أنجزتها أجيال سابقة من العلماء.

وقد تكون هذه النماذج قادرة على استرجاع تلك المعلومات بسرعة، أو العثور على روابط بين نتائج سابقة لم يلتفت إليها أحد. لكنها لا تمتلك فهمًا عميقًا لعلم الأحياء يتجاوز ما اكتشفه الباحثون بالفعل.

ومع ذلك، يعمل علماء آخرون على بناء نماذج ذكاء اصطناعي جديدة تستطيع، إلى حد معين، أن "تعلّم نفسها علم الأحياء". وبدلًا من الكتب والنصوص الأخرى، يجري تدريب هذه النماذج على بيانات خام حول الحمض النووي والخلايا.

وقد بنى علماء في جامعة ستانفورد ومعهد Arc (آرك) نموذجًا من هذا النوع، أطلقوا عليه اسم Evo2 (إيفو 2)، ودربوه على تسلسلات الحمض النووي لملايين الأنواع. وتعلم Evo2 (إيفو 2) أنماطًا خفية في الجينات، ما مكّنه من ابتكار أنواع جديدة من الإنزيمات.

ودفع ذلك العلماء إلى التساؤل عما إذا كان بإمكانهم إنتاج جينومات جديدة يمكنها دعم الحياة. وأخضع الباحثون Evo2 (إيفو 2) لجولة إضافية من التدريب على جينومات مجموعة من الفيروسات وثيقة الصلة ببعضها.

وتُعرف هذه الفيروسات باسم "الميكروفيروسات" (Microvirids)، وهي غير ضارة للإنسان، ولا تصيب سوى بكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli). وقد قدم Evo2 (إيفو 2) مئات الآلاف من جينومات الميكروفيروسات الجديدة، أدى 16 منها إلى ظهور فيروسات حقيقية.

ولحماية Evo2 (إيفو 2)، لم يدرب مبتكروه النموذج على فيروسات تصيب البشر أو الأنواع الأخرى ذات الصلة. لكن من الناحية النظرية، قد يكون إصدار من Evo2 (إيفو 2) قادرًا على إنتاج سلالة مختلفة من فيروسات الجدري.

ومع ذلك، لن تكون تلك مهمة بسيطة؛ فجينيوم الجدري أكبر بـ35 مرة من جينومات فيروسات الميكروفيروسات. وحتى لو أثمرت كل تلك الجهود، فإنها ستؤدي فقط إلى سلالة مختلفة من فيروس كان قد جرى تحويله بالفعل إلى سلاح بيولوجي في ثمانينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، تكهّن الدكتور إنغلسبي بأنه، من دون وجود إجراءات حماية مناسبة، يمكن أن تصبح برامج مثل Evo2 (إيفو 2) أكثر فائدة في صناعة أسلحة بيولوجية جديدة.


*نيويورك تايمز

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً