مرّ ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لكن آثارها ما تزال حاضرة في السياسة الأميركية والحروب الخارجية ومنظومة الأمن الداخلي، وسط تساؤلات متجددة بشأن ما إذا كانت "الحرب على الإرهاب" قد انتهت فعلاً أم أنها دخلت مرحلة جديدة بأدوات مختلفة.
وبحسب مقال نشرته "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" للباحث أندرو ليبر، وترجمته وكالة النبأ، فإن الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون وموقعاً في بنسلفانيا وأسفرت عن مقتل 2977 شخصاً داخل الولايات المتحدة، أطلقت سلسلة من الحروب والصراعات التي أودت، وفق أحد التقديرات، بحياة أكثر من 400 ألف مدني.
ويرى ليبر أن تحديد اللحظة التي انتهت فيها "الحرب على الإرهاب" يبقى أكثر تعقيداً من تحديد نهاية الحروب التقليدية، خصوصاً أن التفويض الذي أقره الكونغرس عام 2001 لاستخدام القوة العسكرية ما يزال قائماً بعد 25 عاماً، واستند إليه رؤساء أميركيون متعاقبون في عمليات عسكرية حول العالم.
ويعيد المقال التذكير بالمناخ الذي ساد الولايات المتحدة مباشرة بعد الهجمات، حين امتزج الخوف والصدمة بالرغبة في الرد السريع، وهو ما انعكس على السياسة الخارجية والداخلية في آن واحد.
ويشير ليبر إلى أن تلك المرحلة شهدت أيضاً تصاعد الشكوك تجاه الأميركيين العرب والمسلمين، بالتوازي مع توسيع أدوات المراقبة والتشريعات الأمنية، وهي تحولات وثقتها كتب ودراسات تناولت السنوات الأولى بعد الهجمات.
ويعتبر المقال أن فهم ما جرى بعد 11 سبتمبر لا يكتمل من دون العودة إلى العقود التي سبقت الهجمات، بما في ذلك صعود تنظيم القاعدة وشبكاته، والحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي، والدور الأميركي والسعودي والباكستاني في دعم المجاهدين خلال الحرب الباردة.
ويشير إلى أن كتاب "The Looming Tower" للورنس رايت لا يزال من أبرز الأعمال التي تناولت صعود أسامة بن لادن والقاعدة وجهود مكتب التحقيقات الفيدرالي لمواجهة التنظيم، فيما يقدم كتاب "Ghost Wars" لستيف كول قراءة أوسع للتدخل الأميركي في أفغانستان قبل 2001.
أما التداعيات الأوسع، فيضعها المقال ضمن ثلاثة مسارات رئيسة: تآكل بعض الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة، وفشل الحرب الطويلة في أفغانستان، ثم قرار غزو العراق عام 2003 وما ترتب عليه من آثار إقليمية ممتدة.
ويستعرض ليبر كيف أدت "الحرب على الإرهاب" إلى ترسيخ مفردات وممارسات جديدة في السياسات الأمنية الأميركية، من "التسليم الاستثنائي" إلى السجون السرية و"الاستجواب المعزز"، وهي مصطلحات استخدمت لتغطية عمليات اختطاف وتعذيب واحتجاز خارج الأطر القانونية المعتادة.
كما يسلط المقال الضوء على اتساع منظومة المراقبة الداخلية، خصوصاً بعد التسريبات التي كشف عنها إدوارد سنودن، والتي أظهرت حجم برامج جمع البيانات والمراقبة التي بنتها الإدارات الأميركية المتعاقبة في أعقاب الهجمات.
وفي أفغانستان، يشير المقال إلى أن الولايات المتحدة بدأت الحرب بعد أقل من شهر على سقوط برجي التجارة العالميين، قبل أن تمتد المواجهة عشرين عاماً وتنتهي بانسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان إلى السلطة.
ويرى ليبر أن التجربة الأفغانية كشفت تدريجياً حدود القوة العسكرية الأميركية، كما أظهرت الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة وبين واقع المجتمع الأفغاني، فضلاً عن الثمن الذي دفعه المدنيون طوال سنوات الصراع.
أما العراق، فيقدمه المقال باعتباره أحد أبرز التحولات التي خرجت من مناخ ما بعد 11 سبتمبر، إذ نجحت إدارة الرئيس جورج بوش في تحويل الخوف والغضب الشعبيين إلى دعم لحرب انتهت باحتلال العراق وتفكيك مؤسساته واندلاع موجة طويلة من العنف وعدم الاستقرار.
ويستشهد المقال بأعمال تناولت الحرب من زوايا مختلفة، من بينها كتابا "Fiasco" لتوماس ريكس و"To Start a War" لروبرت درابر، إلى جانب أعمال عراقية مثل "وحدها شجرة الرمان" لسنان أنطون وكتابات حسن بلاسم وغازي عبد الأحد، التي وثقت آثار الغزو والعنف اللاحق من منظور عراقي.
ويخلص ليبر إلى أن الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات لا تمثل مجرد مناسبة لاستعادة أحداث الماضي، بل تطرح سؤالاً أساسياً عن استمرار البنية القانونية والسياسية التي نشأت بعد 11 سبتمبر.
ويرى أن إلغاء تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001 يمكن أن يشكل إشارة واضحة إلى رغبة الولايات المتحدة في إغلاق صفحة "الحرب على الإرهاب"، بدلاً من استخدامها أساساً لفتح فصول جديدة من التدخلات العسكرية في الخارج.
وبعد 25 عاماً، تبدو إرث 11 سبتمبر أبعد من حدود الهجمات نفسها، إذ أعادت تلك اللحظة تشكيل السياسة الخارجية الأميركية، ووسعت صلاحيات الدولة الأمنية، وأطلقت حروباً طويلة تركت آثاراً عميقة في أفغانستان والعراق والشرق الأوسط، ولا يزال الجدل مستمراً بشأن ما إذا كانت تلك الحقبة قد انتهت فعلاً أم أنها ما تزال تتخذ أشكالاً جديدة.
أضف تعليقاً