بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

بعد خروج التحالف... ما هي مخاوف عودة داعش بين سوريا والعراق؟

لامار أركندي*

أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2026، الانتهاء الرسمي لمهمة التحالف الدولي لمحاربة داعش في العراق، بعد سنوات من العمليات العسكرية ضمنه.

لكنه شدّد على أنّ "انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب"، مشيراً إلى أنّ التعاون الأمني مع الأصدقاء من التحالف "مسار مفتوح سيشهد توظيفَ التكنولوجيا والتقنيات الرّقمية في خدمة الأهداف الداعمة للأمن والاستقرار" في المرحلة المقبلة.

وكانت الولايات المتحدة والعراق قد أعلنا في 27 أيلول/ سبتمبر 2024، عن جدول زمني لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق، مع الانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية تدعم القوات العراقية وتحافظ على الضغط على داعش.

ويأتي انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق بالتزامن مع انتهاء المرحلة التي نصّ عليها الاتفاق الأمريكي العراقي لاستمرار عمليات مكافحة داعش في سوريا انطلاقاً من إقليم كردستان، ما يضع الحدود العراقية السورية أمام مرحلة أمنية جديدة تتولى فيها بغداد مسؤوليةً أكبر عن حماية حدودها ومواجهة تحركات التنظيم، بالتوازي مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري مع دول التحالف بصيغ ثنائية.

ماذا سيتغير بعد انتهاء مهمة التحالف؟

مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، تنتقل مسؤولية أكبر عن أمن الحدود العراقية السورية إلى القوات العراقية. وأكدت وزارة الداخلية العراقية في وقت سابق أنّ الحدود تخضع لمنظومة أمنية متكاملة من التحصينات والقوات ووسائل المراقبة والاستطلاع.

تعتمد القوات العراقية على قدراتها الاستخباراتية والاستطلاعية والجوية في متابعة نشاط داعش وملاحقة عناصره، بالتوازي مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري مع الولايات المتحدة

يقول الفريق الركن جليل شويل المحمداوي، إنّ القوات العراقية كانت مكلّفةً منذ البداية بحماية الحدود ومراقبتها، مشيراً إلى إجراءات اتخذتها لتأمينها، من بينها إنشاء جدار كونكريتي يمتد لأكثر من 500 كيلومتر، بجانب مانع ترابي وأسلاك شائكة، ونشر كاميرات للمراقبة النهارية والليلية، فضلاً عن انتشار قوات حرس الحدود والقوات العراقية والحشد الشعبي، واستخدام طائرات مسيّرة استطلاعية لمراقبة الحدود.

وهذه الإجراءات، كما يفيد، جعلت الحدود العراقية السورية مؤمّنةً بشكل جيد، لأنّ القوات العراقية تمتلك خبرةً ومعلومات واسعةً حول تنظيم داعش، والأخير لم يعد يشكّل تهديداً كبيراً للعراق.

في المقابل، ينبّه شويل إلى احتمال استمرار دور أمريكي في مراقبة الحدود انطلاقاً من الأردن، بالتوازي مع استمرار التنسيق الأمني بين العراق وسوريا.

تعتمد القوات العراقية بصورة أكبر على قدراتها الاستخباراتية والاستطلاعية والجوية في متابعة نشاط تنظيم داعش وملاحقة عناصره، بالتوازي مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري مع الولايات المتحدة، بحسب شويل.

فالقوات العراقية تمتلك قدرات استخباراتيةً واستطلاعيةً جيدةً، ساهمت في كشف عدد من قادة داعش، يضيف مشيراً إلى أنّ القوات الأمريكية تولّت في حالات سابقة استهداف عدد منهم.

وفي الجانب الاستخباري، يؤكد الفريق الركن أنّ التعاون مع الولايات المتحدة سيستمر عبر اتفاقات أمنية ثنائية، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات حول تحركات داعش، وأنّ واشنطن تمتلك تقنيات وقدرات متقدمةً يمكن أن تواصل دعم القدرات العراقية بما في ذلك المعلومات الاستخبارية والقدرات التقنية.

مستقبل تبادل المعلومات بين العراق ودول التحالف

لا يتجه التعاون الاستخباري بين بغداد ودول التحالف بعد الانسحاب الأمريكي إلى التوقف، وإنما إلى الاستمرار بصيغة مختلفة تقوم على تبادل المعلومات وتقديم الدعم عند الحاجة.

يوضح الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية اللواء الركن عماد علو الربيعي، "أنّ القوات العراقية تمتلك اليوم قدرات استخباريةً وتقنيةً وخبرات متراكمةً نتيجة سنوات مواجهة تنظيم داعش، لكنها لا تزال لا تملك المستوى نفسه من القدرات التكنولوجية المتقدمة التي تمتلكها قوات التحالف، ما يجعل استمرار التعاون وتبادل المعلومات عاملاً مهماً خلال المرحلة المقبلة".

ويشير اللواء الركن العراقي في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ "تنظيم داعش يعتمد حالياً على خلايا صغيرة ومخابئ، ما يجعل اكتشاف تحركاته يحتاج إلى منظومات متطورة للرصد والمراقبة وتحليل المعلومات"، موضحاً أنّ العراق "قادر على اكتشاف جزء كبير من هذه التحركات، لكن التحدي يكمن في سرعة تحويل المعلومات إلى استجابة ميدانية".

بالنسبة له، استمرار التعاون مع قوات التحالف في بعض الحالات التي تتطلب قدرات تقنيةً أو معلومات متقدمةً شديد الأهمية بالتوازي مع تطوير منظومة وطنية عراقية تربط أجهزة الاستخبارات والاستطلاع والقوة الجوية والطائرات المسيرة.

وتبادل المعلومات كما يفيد، لا يقتصر على العراق ودول التحالف، بل يشمل التعاون الاستخباري بين العراق وسوريا، خصوصاً في المناطق الحدودية التي يمكن أن تتحرك عبرها خلايا داعش، بما يجعل التنسيق بين الجانبين جزءاً من منظومة المراقبة ومكافحة التنظيم.

دور الطيران والاستطلاع

تكتسب قدرات الطيران والاستطلاع والمراقبة أهميةً متزايدةً في المرحلة التي تلي انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، ولا سيّما في التعامل مع خلايا داعش التي تعتمد على الحركة المحدودة والاختباء في المناطق الصحراوية والحدودية، ما يجعل اكتشافها ورصد تحركاتها جزءاً أساسياً من عمليات ملاحقتها.

وفي هذا السياق يقول شويل إنّ العراق يمتلك قدرات جويةً تشمل طائرات F-16، بجانب طائرات استطلاع، مشيراً إلى إمكانية استخدامها في استهداف تجمعات داعش وملاحقة عناصره عند رصد تحركاتهم، بما في ذلك المناطق القريبة من الحدود السورية.

التعاون الاستخباري بين بغداد ودول التحالف بعد الانسحاب الأمريكي يتجه نحو الاستمرار بصيغة مختلفة قوامها تبادل المعلومات وتقديم الدعم عند الحاجة.

في المقابل يوضح الربيعي، أنّ أهمية الطيران لا تقتصر على تنفيذ الضربات، وإنما ترتبط بمنظومة أوسع تبدأ بجمع المعلومات والاستطلاع والمراقبة وتحليل المعطيات، وصولاً إلى تحديد الأهداف والتعامل معها ميدانياً، مشيراً إلى أنّ الطائرات المسيّرة تؤدّي دوراً مهماً في هذه المنظومة، بجانب أجهزة الاستخبارات ووسائل الرصد والقوة الجوية.

غياب بعض القدرات التي كان يوفرها التحالف، وفق روية الربيعي، لا يعني فقط نقصاً في الطائرات، وإنما يطرح تحدّياً يتعلق بمنظومة الاستطلاع والاستخبارات وتحليل المعلومات، خاصةً أنّ التحالف يمتلك تقنيات متقدمةً في مجالات الرصد والمراقبة، "لذلك فإنّ استمرار التعاون وتبادل المعلومات يمكن أن يساعد في الحفاظ على فاعلية هذه المنظومة خلال المرحلة المقبلة".

فتنظيم داعش، بحسب ما يفيد، يعتمد على خلايا صغيرة ومخابئ، ما يجعل اكتشاف تحركاته أكثر ارتباطاً بالمراقبة المستمرة وربط المعلومات القادمة من مصادر متعددة.

ويؤكد أنّ امتلاك العراق قدرات جويةً واستطلاعيةً يجب أن يترافق مع تكامل بين الاستخبارات والطائرات المسيّرة والقوة الجوية، بحيث تتحول المعلومات التي يتم جمعها إلى استجابة ميدانية بالسرعة المطلوبة.

هل يتّسع التنسيق بين بغداد ودمشق؟

يرجّح المحلل العسكري والإستراتيجي أحمد رحال، أن يكون تأثير هذه الخطوة على الحدود العراقية السورية محدوداً، وعلى وجه الخصوص بعد انتهاء وجود التحالف في الجانب السوري منذ منتصف شهر نيسان/ أبريل الماضي.

فالدور الذي كان يؤديه التحالف على الحدود مرتبط بصورة أكبر في أثناء وجوده شرق الفرات قبل الانسحاب، حيث كان يمتلك القدرة على تنفيذ عمليات جويةً واستطلاعيةً ومراقبة ما يجري على الجانب السوري من الحدود، حسب قوله.

غياب الدعم الجوي والاستطلاع والإنذار المبكر الذي كان يوفّره التحالف قد يترك، وفق اعتقاد رحال، تأثيراً على قدرة العراق في مراقبة المناطق الصحراوية الحدودية، ويمنح التنظيم مساحةً أكبر للحركة وزيادة نشاطه هناك، ولا سيّما أنّ نشاطه خلال المرحلة الأخيرة، بحسب تقديره، انحصر بدرجة كبيرة بين البادية السورية وصحراء الأنبار.

غياب التحالف يمثّل اختباراً لقدرة العراق على إدارة ملف مكافحة داعش بقدراته الوطنية، بعد سنوات من الاستفادة من الدعم الجوي والاستطلاعي والاستخباري للتحالف"، يضيف رحال وهو ما يستدعي تعزيز التعاون بين بغداد ودمشق خاصةً في مجال مراقبة الحدود وملاحقة تحركات داعش.

ويذهب الخبير العسكري السوري إلى إمكانية أن يتطور هذا التعاون إلى تنسيق أمني وعملياتي أكبر، بما في ذلك إنشاء غرف عمليات مشتركة لمتابعة نشاط التنظيم وضبط التحركات عبر الحدود.

سيناريوهات مفتوحة

تتجه الأنظار بكثير من التوجس إلى التداعيات الأمنية والعسكرية التي سيواجهها كل من العراق وسوريا غداة الانسحاب الدولي، في وقت تمرّ فيه المنطقة بمخاض إقليمي محتدم يضع الكفاءة الأمنية للبلدين أمام اختبار حقيقي.

الفراغ العسكري الناجم عن إنهاء عملية العزم الصلب سيعيد صياغة موازين القوى الإقليمية وسط مخاطر مرتفعة، لأنّ داعش قادر على استغلال الثغرات الأمنية عبر خلاياه النائمة النشطة لتنفيذ عمليات مباغتة

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الدراسات الأمنية والإستراتيجية مصطفى كمال دماني، أنّ سوريا لا تزال تعيش حالةً من الهشاشة الأمنية؛ إذ يشهد ملف الجيش تجاذبات داخليةً وتحفظات إقليميةً بشأن التواجد الأجنبي، بالتزامن مع السياسات الإسرائيلية المقوّضة لإعادة تأهيل الدولة، وهو ما يجعل الخطوة محفوفةً بالمخاطر.

وهذا الواقع ينعكس بدوره، على المشهد العراقي المخترق بالتأثيرات الأمريكية والإيرانية والأدوار الخفيّة المتصادمة، فضلاً عن المعضلة المستمرة للمجموعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.

ويؤكد دماني في حديثه إلى رصيف22، أنّ هذا الانسحاب لا يعني بالضرورة توجهاً دولياً راديكالياً بالانسحاب الكامل والشامل من المنطقة نظراً إلى أهميتها الجيوسياسية للعالم، بل يتم بالتنسيق مع الأطراف الفاعلة لتفادي أيّ اهتزاز أو إرباك قد يخلّفه الفراغ، مما يجعل التنسيق الأمني والتعاون الإقليمي ضرورةً ملحةً تحت إكراهات التحديات الراهنة.

ويحذّر الباحث من خطورة مآلات الصراع الحالي وتمدّده، لأنّ "الشظايا ستطال كل المنطقة وتدفع بها إلى المجهول والعودة إلى المربّع الأوّل، لتصبح الساحة أمام سيناريوهات قاتمة شبيهة بما شهدته دول الساحل الإفريقي، حيث تحوّل انهيار الدولة وعجزها الوظيفي إلى بيئة خصبة لنمو الظاهرة الإرهابية وتفاقمها".

تتقاطع هذه الرؤية الميدانية مباشرةً مع التحذيرات الإستراتيجية التي أطلقها خبراء ومحلّلو المجلس الأطلسي الذين نبّهوا إلى أنّ الفراغ العسكري الناجم عن إنهاء "عملية العزم الصلب" سيعيد صياغة موازين القوى الإقليمية وسط مخاطر مرتفعة، حيث حذّروا من قدرة داعش على استغلال الثغرات الأمنية عبر خلاياه النائمة النشطة لتنفيذ عمليات مباغتة، ولا سيّما مع تعقّد ملف إدارة آلاف المحتجزين وعائلاتهم.

*مجلة رصيف 22


التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً