لم يعد الأمن الغذائي العالمي مرتبطاً بكمية الغذاء المنتجة فقط، حيث بات مرتبطاً أيضاً بقدرة الدول والمزارعين والشركات على معرفة ما يحدث في الأسواق والحقول وسلاسل التوريد قبل أن تتحول الاضطرابات إلى أزمات.
وفي هذا السياق، يطرح تقرير بحثي جديد أعدته بيغي تساي ييه وكاثرين بيرتيني ونشره مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، سؤالاً يتجاوز قضية البيانات نفسها: هل يمكن تحويل المعلومات المتاحة إلى قرارات قادرة على حماية الغذاء قبل وقوع الأزمة؟
ويشير التقرير إلى أن النظم الغذائية العالمية أصبحت أكثر تعرضاً للصدمات نتيجة تداخل عوامل متعددة، من تغير المناخ والنزاعات والتوترات الجيوسياسية إلى التعريفات الجمركية والقيود التجارية وتقلب أسعار الطاقة والأسمدة واضطرابات سلاسل التوريد.
وفي الوقت نفسه، تتراجع أو تتقلص بعض أنظمة البيانات العامة التي اعتمدت عليها الحكومات والمزارعون والباحثون لفهم الإنتاج الزراعي والطقس والأسواق والأمن الغذائي. ويؤدي هذا التراجع، وفق التقرير، إلى اتساع فجوة المعلومات في الوقت الذي أصبحت فيه المخاطر أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.
البيانات لم تعد مجرد أرقام
يرى التقرير أن البيانات ينبغي ألا تُعامل باعتبارها سجلات تاريخية تُجمع بعد وقوع الأحداث، بل باعتبارها أداة لاتخاذ القرار والاستعداد المبكر.
وتشمل المعلومات المطلوبة بيانات الإنتاج والأسعار والتجارة واستخدام الأراضي وطلب المستهلكين والتغذية، إلى جانب بيانات الطقس وسلاسل التوريد وملاحظات المزارعين والمعلومات المحلية المتعلقة بالآفات والأمراض وحالة المحاصيل.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المناطق التي لا تستطيع فيها النماذج التقليدية تقديم صورة دقيقة عن الواقع الزراعي. فالمعلومة المحلية، بما فيها ملاحظات المزارعين وشبكات الإرشاد الزراعي وأجهزة الاستشعار الميدانية، يمكن أن تساعد في اختبار النماذج وتحسين قدرتها على التنبؤ.
ويحذر التقرير في المقابل من الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها، في ظل ما وصفه بظهور "وضع طبيعي جديد" تتداخل فيه المخاطر المناخية مع النزاعات والسياسة والتجارة والجغرافيا السياسية، بما يجعل توقيت الأزمات وشدتها وتكرارها أكثر صعوبة في التوقع.
القطاع الخاص يدخل إلى منطقة كانت حكراً على القطاع العام
أمام هذه التحولات، يدفع التقرير باتجاه دور أكبر للقطاع الخاص، ليس بديلاً عن الحكومات، وإنما شريكاً في بناء منظومة معلومات أكثر قدرة على الاستمرار.
فالشركات تمتلك كميات كبيرة من البيانات المرتبطة بالأسواق والأسعار والإنتاج وسلاسل التوريد وشبكات التوزيع، فضلاً عن التكنولوجيا ورأس المال والخبرة في إدارة المخاطر.
لكن التقرير يلفت إلى أن مشاركة الشركات لن تكون تلقائية، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل أو الهشة والمتأثرة بالنزاعات، حيث تكون الجدوى التجارية للاستثمار في أنظمة البيانات محدودة رغم ارتفاع الحاجة إليها.
ولهذا يقترح التقرير استخدام التمويل العام والخيري والمختلط لتقليل المخاطر الأولية، وإنشاء بنية تحتية مشتركة، وإثبات جدوى النماذج قبل انتقال رأس المال الخاص إلى الاستثمار والتوسع.
من المزرعة إلى المستهلك
لا ينظر التقرير إلى الأمن الغذائي باعتباره قضية إنتاج محاصيل أساسية فقط، بل يدعو إلى النظر إلى سلسلة الغذاء كاملة، من المزرعة إلى المستهلك.
ويشير إلى أهمية البيانات المتعلقة بتفضيلات المستهلكين والتغذية والمحاصيل الغنية بالعناصر الغذائية، مثل الفواكه والخضراوات والبقوليات والمكسرات، باعتبارها عناصر يمكن أن تحسن النظام الغذائي وترفع دخل المزارعين وتفتح أسواقاً جديدة.
وبحسب التقرير، فإن فهم ما يريده المستهلك يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً في تغيير أنماط الإنتاج الزراعي، ولذلك تصبح الشفافية والتواصل مع المستهلك جزءاً من منظومة الأمن الغذائي نفسها.
الذكاء الاصطناعي.. من تحليل البيانات إلى توقع الأزمة
ويضع التقرير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في قلب التحول المرتقب في أنظمة البيانات الزراعية.
لكن التقرير لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كحل سحري، بل يشدد على ضرورة تدريب النماذج على بيانات محلية حقيقية، تشمل اللهجات والمصطلحات الزراعية وأسماء الآفات والمحاصيل والظروف الميدانية.
كما يشير إلى إمكانية الجمع بين بيانات الأقمار الصناعية وتوقعات الطقس ومعلومات الأسواق وسلاسل التوريد لبناء ما يعرف بـ"التوأم الرقمي" للنظام الغذائي، وهو نموذج يحاكي الظروف الواقعية ويمكن استخدامه لاختبار سيناريوهات مختلفة قبل وقوع الأزمة.
وفي أفضل حالاته، يمكن لهذا النوع من الأنظمة أن ينقل إدارة الأمن الغذائي من رد الفعل إلى الاستباق؛ أي من انتظار نقص الإنتاج أو ارتفاع الأسعار إلى محاولة اكتشاف المؤشرات التي تسبق الأزمة.
لكن من يملك البيانات؟
مع اتساع استخدام البيانات، تبرز قضية أكثر حساسية تتعلق بالملكية والخصوصية.
ويؤكد التقرير أن المزارعين يقدمون معلومات أساسية عن الحقول والإنتاج والممارسات الزراعية والظروف المحلية، ولذلك ينبغي ألا تتحول مشاركتهم إلى مجرد مصدر مجاني للبيانات التي تحقق منها الشركات أرباحاً.
ويدعو إلى نماذج واضحة للملكية وتقاسم المنافع، يمكن أن تشمل المدفوعات المباشرة أو الحوافز أو الملكية التعاونية أو تقاسم الإيرادات.
كما يشدد على ضرورة معرفة المزارعين بالمعلومات التي يتم جمعها عنهم، والجهات التي تستخدمها، وكيف تُستخدم، وما إذا كانوا يحتفظون بحقوقهم عليها.
شراكة لا احتكار
يقترح التقرير التمييز بين البيانات التي يمكن للشركات تبادلها في إطار تعاون "قبل المنافسة"، وتلك التي تمثل ميزة تجارية يجب أن تبقى محمية.
ويعني ذلك أن التعاون لا يستلزم بالضرورة كشف جميع البيانات التجارية، وإنما يمكن إنشاء بنية مشتركة تسمح بتبادل المعلومات الضرورية لمواجهة المخاطر مع الحفاظ على الملكية الفكرية والحوافز الاقتصادية.
وتشمل هذه الشراكات، وفق التقرير، الحكومات والمزارعين والشركات الزراعية وشركات التكنولوجيا وشركات التأمين والمؤسسات المالية والباحثين والمنظمات الإنسانية والمؤسسات الخيرية والمستثمرين.
الأمن الغذائي يبدأ قبل الأزمة
الخلاصة التي يصل إليها التقرير واضحة: المشكلة ليست نقص البيانات وحده، وإنما الفشل في تحويل البيانات الموجودة إلى معرفة قابلة للاستخدام وقرار يأتي في الوقت المناسب.
ويقترح التقرير أربع أولويات رئيسية: بناء أنظمة بيانات تستجيب لاحتياجات السوق، الانتقال من جمع المعلومات إلى العمل الاستباقي، إنشاء بنية تحتية مشتركة للبيانات وشراكات موثوقة، ثم تطوير نماذج تمويل تضمن استدامة هذه الأنظمة.
وفي عالم تتزايد فيه الصدمات المناخية والسياسية والاقتصادية، قد يصبح امتلاك القدرة على رؤية الأزمة قبل وقوعها أحد أهم عناصر الأمن الغذائي.
فالمعركة المقبلة على الغذاء، وفق هذا التصور، لن تُحسم في الحقول والأسواق وحدها، بل أيضاً في من يمتلك البيانات، ومن يستطيع قراءتها، ومن يحولها إلى قرار قبل فوات الأوان.
أضف تعليقاً