لا تزال روسيا وأوكرانيا في حالة جمود على جبهات القتال، رغم تغير الكثير منذ اندلاع الحرب التي دخلت عامها الخامس.
وقد دفعت الحرب أوروبا إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية، وتساؤلها عن مدى قدرتها على الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة.
وتقول الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، أرميدا فان ري في قراءة، إن أوروبا تواجه معادلة جديدة تتمثل في تزايد التهديد الروسي مقابل تراجع الوجود الأميركي في القارة، ما يخلق فجوة في الردع الأوروبي.
الجمود على الجبهة
تشهد خطوط التماس تحركًا محدودًا، وهو ما يعكس، بحسب الباحثة، قدرات الجيش الروسي، وفي الوقت نفسه قدرة أوكرانيا على الدفاع عن مواقعها والحفاظ على خطوطها.
وترى أن روسيا بحاجة إلى تحقيق النصر، بينما يكفي أوكرانيا في الوقت الحالي ألا تخسر الحرب.
وفي المقابل، تمكنت أوكرانيا من تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، استهدفت منشآت الطاقة ومصافي النفط ومواقع داخل موسكو، ما جعل الحرب أكثر حضورًا في حياة الروس اليومية.
كما أن السماح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ باتريوت بموجب تراخيص أميركية، في حال تنفيذ ذلك، يمكن أن يمنحها أفضلية دفاعية مهمة.
فرص السلام
ترى فان ري أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار يبدو أكثر احتمالًا من الوصول إلى اتفاق سلام مستدام وطويل الأمد، بسبب الخلافات العميقة بين الطرفين.
ومن أبرز القضايا التي ستواجه أي مفاوضات مستقبلية، مصير الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، ولا سيما دونباس وشبه جزيرة القرم.
كما يمثل غياب الثقة بجدية موسكو في المفاوضات أحد أبرز المخاوف الأوكرانية، إذ تخشى كييف أن يتحول أي وقف لإطلاق النار إلى مرحلة مؤقتة قبل استئناف القتال.
ضمانات أمنية لأوكرانيا
تريد أوكرانيا ضمانات أمنية شبيهة بالمادة الدفاعية المشتركة في حلف الناتو، بحيث تتدخل الدول الأوروبية أو الحلفاء في حال تعرضها لهجوم روسي جديد.
لكن الوصول إلى هذا النوع من الضمانات يبدو صعبًا، لذلك تبحث بريطانيا وفرنسا، ضمن "تحالف الراغبين"، في إمكانية نشر قوة أوروبية محدودة داخل أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار.
غير أن محدودية حجم هذه القوة وبعدها المحتمل عن خطوط المواجهة يثيران تساؤلات حول قدرتها على ردع روسيا، خصوصًا في ظل عدم وضوح الدور الأميركي مستقبلًا.
أوروبا أمام فجوة في الردع
تحدد الباحثة ثلاثة مجالات رئيسية تحتاج أوروبا إلى تطويرها:
أولًا: القدرات العسكرية، عبر التأكد من جاهزية المعدات، وتوفير الذخائر، وتدريب الكوادر اللازمة لاستخدامها، إلى جانب تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية.
ثانيًا: العنصر البشري والمهارات، من خلال تشجيع المزيد من الأشخاص على الانضمام إلى القوات المسلحة، وتسهيل انتقال أصحاب المهارات المدنية إلى الصناعات الدفاعية وتسريع إجراءات التصاريح الأمنية.
ثالثًا: بناء نموذج أوروبي للحرب، بدل الاعتماد الكامل على النموذج العسكري الأميركي، مع التركيز على التكامل بين القوات، وقابلية التشغيل المشترك، والقيادة واتخاذ القرار.
أوكرانيا.. مختبر لتكنولوجيا المسيّرات
اضطرت أوكرانيا إلى تطوير استخدام الطائرات المسيّرة بعدما واجهت صعوبة في الحصول على كميات كافية من ذخائر المدفعية عيار 155 ملم.
وساعد تخفيف الإجراءات البيروقراطية وتسريع اعتماد المعدات ومنح الوحدات العسكرية صلاحيات أكبر في شراء احتياجاتها، على نمو صناعة المسيّرات.
كما ظهرت مراكز تصنيع محلية عديدة، وأصبحت دورة تطوير المسيّرات في أوكرانيا سريعة للغاية، إذ يمكن تعديلها خلال أسابيع قليلة استنادًا إلى نتائج استخدامها في ساحة المعركة.
وقد بدأت أوكرانيا بتصدير هذه الخبرات والتكنولوجيا إلى دول أوروبية ودول في الخليج، لتتحول تدريجيًا من دولة تتلقى المساعدة الدفاعية إلى مساهم في الأمن الأوروبي.
ماذا يمكن لأوروبا أن تتعلم؟
ترى الباحثة أن أبرز الدروس الأوكرانية تتمثل في المرونة وسرعة التكيف.
ومن أهمها الانتقال من الاعتماد على منظومات عسكرية ضخمة ومتكاملة إلى أنظمة مجزأة وقابلة للتحديث السريع.
كما يمثل البرمجيات عنصرًا أساسيًا في تطوير القدرات العسكرية، إذ يمكن للتحديثات البرمجية أن تجعل أنظمة مختلفة تتواصل مع بعضها، وتوفر تحسينات سريعة وأقل تكلفة من استبدال المعدات العسكرية بالكامل.
وبذلك، تقدم الحرب في أوكرانيا درسًا لأوروبا في ضرورة بناء صناعة دفاعية أكثر مرونة وسرعة، تعتمد على التكنولوجيا والابتكار والقدرة على التكيف مع متغيرات ساحة المعركة.
أضف تعليقاً