بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الشعبوية العسكرية الأميركية في عصرها الجديد تتشكل

هارش ف. بانت*

مع اقتراب إدارة ترامب الثانية من منتصف ولايتها، تبدو عبارة أمريكا المتغيرة بسرعة وصفاً بالغ الدقة للمرحلة الراهنة. فقد أدت إعادة التموضع الداخلي والخارجي إلى إظهار الولايات المتحدة بصورة جديدة، ما أجبر دولاً ومناطق مختلفة على إعادة حساباتها. وفي حين كانت تحولات السياسة الخارجية لواشنطن وتداعياتها هي المنظور الخارجي الأكثر وضوحاً، بدأت تغييرات داخلية مؤثرة تهز الهياكل القديمة للحكم والأمن والمالية.

ومن بين أكثر هذه التغييرات وضوحاً، بل وأشدها أهمية، إعادة تسمية وزارة الدفاع الأميركية (DoD) لتصبح وزارة الحرب (DoW)، وهو اسمها التاريخي الأصلي. وقد تمثل عملية إعادة التسمية هذه رمزاً مصغراً لمحاولات إدارة ترامب إعادة رسم مسار الولايات المتحدة. ويقف بيت هيغسيث، وزير الحرب، في صدارة هذه المساعي.

ملامح خطاب هيغسيث

كان أحد أعنف هجمات الإدارة الحالية على سابقتها موجهاً ضد سياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI) في مختلف البرامج والمؤسسات. وفي 30 سبتمبر من هذا العام، عندما ألقى هيغسيث خطاب حالة القوات في قاعدة مشاة البحرية الأميركية في كوانتيكو، قاد هجوم إدارته على هذه القيم، موضحاً في المقابل رؤيته الخاصة.

وقد أكد مجدداً ما طرحه في خطابه عام 2025 أمام جمع من الأدميرالات والجنرالات، والذي حدد فيه بوضوح شعاره المتمثل في إحياء روح المحارب، وإعادة بناء الجيش، وإعادة ترسيخ الردع.

وتعكس نظرة فاحصة إلى بعض المبادرات والتغييرات التي شدد عليها هيغسيث الطبيعة المتسارعة للحرب الحديثة والحاجة إلى أن تعمل الولايات المتحدة، شأنها شأن أي قوة عسكرية أخرى، على الإصلاح بسرعة.

ويهدف الكشف عن قيادة قتالية من فئة أربع نجوم للحرب الذاتية (AutoWarCom) إلى إعادة هيكلة عمليات شراء الطائرات المسيّرة واختبارها ونشرها. ويتزامن ذلك مع تعيين إيلون ماسك وبالمر لاكي ونيوت غينغريتش لقيادة مشروع ميريديان بصورة مشتركة، وهي مبادرة تهدف إلى دراسة مستقبل الحرب.

ويؤكد اشتراط تقديم نتائج الدراسة خلال 120 يوماً فقط حجم الإلحاح، وكذلك التحديات التي تواجه قدرة الولايات المتحدة على التكيف مع أساليب خوض الحروب. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية لمبادرة مشروع ميريديان في وضع التفوق التكنولوجي على الصين في صدارة الأولويات.

ومن بين الخطوات الأخرى التي أعلن عنها لإعادة هيكلة الجيش الأميركي مشروع حصن أميركا (Fortress America)، الذي يهدف إلى إعادة تصميم منظومات الطاقة والاتصال السيبراني بحيث تصبح القواعد الأميركية مكتفية ذاتياً فيما يتعلق بشبكات الكهرباء والقيادة السيبرانية.

وفي إطار إعادة تنظيم نظام التجنيد، ستتعاون وزارة الدفاع الآن مع خمس جامعات مختارة لإنشاء فيلق جديد من طلاب الضباط، وهي: جامعة ولاية لويزيانا، وجامعة ليبرتي، وجامعة توسكيغي، وجامعة ولاية ميسيسيبي، وكلية هيلزديل. ويُعد غياب أي مؤسسة من جامعات رابطة اللبلاب أمراً لافتاً، ويعكس الحرب الطويلة التي تخوضها إدارة ترامب ضد مؤسسات التعليم النخبوية والقيم التي يربطها الجمهوريون الجدد بها.

ولعل الخطوة الأكثر تأثيراً كانت إعلان هيغسيث خفض عدد المناصب المخصصة للضباط من الرتب العليا والضباط العامين بنسبة 20% في مختلف القوات المسلحة بحلول الأول من يناير 2027، وهي نسبة تعادل ضعف التخفيض الذي أعلنه في عام 2025.

كما امتد تعريف هيغسيث الواسع لهيكل القوة الزائد عن الحاجة، والذي استخدمه ذريعة لتقليص الرتب العسكرية العليا، ليشمل أيضاً وقف التعيينات الجديدة بعقود دائمة للأكاديميين المدنيين في الأكاديميات العسكرية التابعة للخدمات المسلحة.

وإلى جانب هذه الإجراءات، فإن قرار إنشاء مكتب الشؤون الدينية (ORA)، الذي يتبع مباشرة لوزير الحرب ويتولى توفير الدعم الديني والاستعداد الروحي، يحمل بوضوح سمات الانفتاح الجمهوري على التيار الإنجيلي.

دوافع إعادة الهيكلة

تقف وراء إعادة هيكلة وزارة الحرب مجموعة من العوامل المتنافسة والمتداخلة، تشمل الشعبوية، والتطور التكنولوجي السريع، وإحياء القيم الثقافية، وتقييمات القوة والقدرات العسكرية النسبية، إضافة إلى سباق مع الزمن.

وينظر الأميركيون إلى هذه التغييرات بصورة مختلفة وفقاً لكل معيار. فعلى سبيل المثال، يرى معظمهم أن قرار إنشاء قيادة الحرب الذاتية ضرورة، في حين أثار تقليص الرتب العسكرية العليا انتقادات، باعتباره بمثابة قطع رأس القيادة العسكرية من الداخل.

وكانت مغادرة وزير الجيش، دان دريسكول، في أغسطس، ذروة المساعي التي عكست الرغبة في التطهير التي أظهرها هيغسيث.

وتقدم إجراءات هيغسيث مجتمعة صورة مختلطة إلى حد كبير. فالولايات المتحدة تقترب من نهاية حقبة عسكرية بدأت في عهد إدارة ريغان، مع التحول الشامل في القطاع العسكري والصناعي الذي أعقب حرب فيتنام.

وبالتالي، فإن التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه واشنطن اليوم لا يتمثل ببساطة في توسيع القدرات العسكرية، وإنما في تنفيذ الجيل المقبل من الإصلاحات في مجالات التصنيع الدفاعي والتكنولوجيا والابتكار، إذا أرادت الحفاظ على تفوقها على الصين، وفي الوقت نفسه التعامل مع خصوم متعددين في مسارح مختلفة.

الإصلاح والضرورة الاستراتيجية

تكمن المشكلة في أن إحساس إدارة ترامب بالإلحاح أدى في كثير من الأحيان إلى الخلط بين سياسات الشعبوية ومتطلبات الإصلاح العسكري.

وفي هذه العملية، أصبحت الحدود بين الرسائل السياسية والضرورة الاستراتيجية، وفي بعض الأحيان بين الصديق والعدو، غير واضحة.

كما أن خطاب هيغسيث حول إنشاء قوات لا بدناء فيها، ولا متحولين جنسياً، ولا أصحاب لحى، ولا غريبي الأطوار، إلى جانب مقترحه إجراء فحوص إلزامية لنقص هرمون التستوستيرون ضمن الفحوص الصحية السنوية للعسكريين الذين تبلغ أعمارهم 30 عاماً فأكثر، ينقل مفهوم روح المحارب إلى منطقة تبدو منفصلة بصورة متزايدة عن متطلبات الحرب الحديثة.

وفي وقت تعيد فيه التفوق التكنولوجي والأتمتة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الضربات الدقيقة تشكيل طبيعة الصراعات، لا يمكن اختزال الفعالية العسكرية في مفهوم ضيق ومتزايد التركيز على القوة البدنية للمحارب.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ السماح للتجاوزات في هذا الخطاب بحجب الفرص الحقيقية المتاحة أمام الولايات المتحدة. فقد تزامنت ولايتا الرئيس ترامب مع تسارع استثنائي في التغير التكنولوجي، ما أوجد تحديات كبيرة، إلى جانب فرص مهمة، أمام القوة العسكرية الأميركية.

وكانت إعادة إنشاء القيادة الفضائية عام 2019 إحدى هذه الخطوات المؤثرة، في حين أن الإعلان الأحدث عن قيادة الحرب الذاتية (AutoWarCom) يمكن أن تكون له، إذا ما جرى تنفيذه بجدية، آثار تحويلية على تنظيم القوة العسكرية واستخدامها.

وتتمثل المهمة الأكبر في ضمان أن تكون هذه المبادرات مدفوعة بمتطلبات حروب المستقبل، بدلاً من أن تخضع لمفردات الشعبوية.

وبالنسبة إلى أقوى قوة عسكرية في العالم، فإن المخاطر في نهاية المطاف أكبر من أن تسمح باستبدال الوضوح الاستراتيجي بالمسرح السياسي.

* مؤسسة أوبزرفر للأبحاث

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً