وينثروب م. رودجرز *
بعد مرور عامين على توجه إقليم كردستان العراق إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد، لا يزال الحزبان الرئيسيان في الإقليم، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، عاجزين عن التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة جديدة، فيما تواصل حكومة تصريف الأعمال، التي تشكلت عقب انتخابات أيلول 2018، إدارة شؤون الإقليم.
ويضع هذا الوضع إقليم كردستان أمام مسار من الانقسام العميق، وربما الدائم، إذ بات شركاؤه التقليديون في أوروبا والولايات المتحدة يشعرون بالإحباط من الخلل السياسي والمؤسساتي، ولم يعودوا مستعدين للقيام بدور الوسيط بين الطرفين. ويجعل ذلك الإقليم أكثر عرضة لتدخل القوى الإقليمية، التي تمتلك قدرة أكبر على التكيف مع الانقسامات الداخلية والتأثير فيها على المدى الطويل.
ولا تتمثل العقبة الرئيسية أمام تشكيل الحكومة في الخلافات المحدودة بشأن توزيع المناصب الوزارية، كما يعتقد أحيانا، بل تعود جذور الأزمة إلى انهيار الاتفاق الاستراتيجي الموقع عام 2006 بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. إذ لم يعد الحزبان يتشاركان الرؤية الأساسية نفسها بشأن كيفية إدارة الإقليم، كما أن الأطر الرسمية وغير الرسمية التي جمعت الطرفين خلال العقدين الماضيين لم تعد تؤدي دورها السابق.
وبدلا من ذلك، انقسم الإقليم فعليا إلى منطقتين جغرافيتين تخضع كل منهما لنفوذ أحد الحزبين؛ إذ يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني على محافظتي أربيل ودهوك، فيما يهيمن الاتحاد الوطني الكردستاني على محافظتي السليمانية وحلبجة.
وعلى الرغم من أن المنطقتين لم تنفصلا بصورة كاملة، كما حدث خلال مرحلة الإدارتين المنقسمتين بين عامي 1998 و2005، فإن هذا الترتيب يفرض واقعا إداريا معقدا، حيث تعتمد المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية على توجيهات القيادات الحزبية غير المنتخبة، بدلا من الرجوع إلى وزارات حكومة إقليم كردستان. كما تشير تقارير إلى فرض إتاوات على سائقي الشاحنات والتجار عند نقاط التفتيش الواقعة على الحدود بين مناطق نفوذ الحزبين.
وحتى الآن، يؤكد الحزبان أن إقليم كردستان لا يزال كيانا موحدا رغم الانقسام السياسي. ففي السادس من تشرين الأول، دعا رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني الأحزاب إلى إعادة تفعيل برلمان كردستان، الذي لم يعقد اجتماعا فعليا منذ أكثر من أربع سنوات، متسائلا: لا أعرف مما يخافون.
لكن خلف هذا الموقف، تلوح احتمالات حدوث تغييرات أعمق في طبيعة إدارة الإقليم.
مقترح لتوزيع السلطة على المحافظات
يطرح قادة في الاتحاد الوطني الكردستاني مقترحا أكثر جذرية، يقوم على نقل الصلاحيات الإدارية والمالية إلى المحافظات ورؤساء البلديات ومديري الأقضية، مع الاحتفاظ ببعض الصلاحيات لدى حكومة الإقليم وبرلمانه، على أن تنتقل معظم القرارات المتعلقة بالشؤون اليومية إلى مستويات إدارية محلية.
ويستند مؤيدو هذا المقترح إلى تجارب سويسرا، القائمة على الكانتونات، ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتكون من إمارات تتمتع بصلاحيات واسعة، معتبرين أن تقليص التداخل بين الحزبين وتوزيع السلطة التنفيذية قد يكونان وسيلة لتجاوز الخلافات القائمة.
ونظرا إلى النفوذ الواسع الذي يمارسه الحزبان بصورة منفصلة على المستويين المحلي والإداري، فإن تطبيق هذا المقترح من شأنه أن يكرس السيطرة الحزبية على مؤسسات الحكم داخل منطقتي الإقليم، ويمثل أكبر تغيير دستوري خلال جيل كامل.
كما أنه سيشكل تراجعا عن أحد المبادئ الأساسية التي استندت إليها جهود بناء السلام عقب الحرب الأهلية الكردية، والمتمثل في ضرورة وجود مؤسسات قوية وموحدة ومشتركة لتعزيز الحكم الذاتي الكردي. ويعكس مجرد طرح هذا المقترح حجم التدهور الذي وصلت إليه العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
ولا تزال جوانب عديدة من الخطة غير واضحة، من بينها طبيعة العلاقة المستقبلية بين السلطات المحلية والحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وآليات توزيع الإيرادات، فضلا عن كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالقطاعات الحيوية، مثل النفط والغاز والكهرباء والتجارة.
وفي الوقت الراهن، لا يزال المقترح طرحا من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، فيما تبدو فرص تطبيقه غير مؤكدة، خصوصا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يعارضه، وهو ما يمثل أحد أسباب تعثر المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة.
كما أن كثيرا من الناخبين الأكراد قد يرفضون تعزيز نفوذ الأحزاب الحاكمة من دون وجود ضوابط ورقابة حقيقية، فهم، رغم استيائهم من الأوضاع الراهنة، يدركون المخاطر التي قد يشكلها هذا المقترح على الوضع الدستوري الهش لإقليم كردستان داخل العراق.
وخلال السنوات الخمس الماضية، تمكنت الحكومة الاتحادية العراقية تدريجيا من تقليص قدرة حكومة إقليم كردستان على إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية، مستفيدة من الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
توقيت غير مناسب للانقسام
يأتي احتمال تعمق الانقسام داخل إقليم كردستان في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، إذ تسببت الحرب الأمريكية الإيرانية في حالة كبيرة من عدم الاستقرار، فيما انشغل الشركاء الدوليون بمشكلاتهم الداخلية، بالتزامن مع تحولات إقليمية تدفع الدول ذات السيادة إلى إعادة تأكيد نفوذها على الجهات الفاعلة من غير الدول.
وبات الوجود الأمريكي في إقليم كردستان أقل تأثيرا مما كان عليه في السنوات الماضية، بعدما أكملت الولايات المتحدة انسحابها العسكري في نهاية أيلول، عقب اثني عشر عاما من المشاركة ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
كما تأثر النشاط الدبلوماسي في أربيل، حيث يقع مقر حكومة الإقليم، خلال معظم العام الحالي بسبب المخاوف الأمنية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية.
ويشعر الدبلوماسيون الأمريكيون والأوروبيون بالإحباط نتيجة عجزهم عن تقريب وجهات النظر بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم استمرار دعواتهم إلى تشكيل حكومة جديدة. ويعكس هذا العجز تراجع النفوذ الغربي على القيادات الكردية البارزة، وقد يتفاقم إذا اضطر الدبلوماسيون مستقبلا إلى التعامل مع مسؤولين محليين يمتلكون صلاحيات واسعة، لكنهم يخضعون بصورة أساسية لقيادات الحزبين.
وفي المقابل، تبدو الدول المجاورة لإقليم كردستان، مثل تركيا وإيران، أكثر قدرة على التعامل مع واقع الإقليم المنقسم، إذ تستطيع هذه الدول اتباع سياسات طويلة الأمد والتأثير على المستوى المحلي من خلال الروابط الاقتصادية والاجتماعية والدينية، بدلا من الاعتماد على النهج العسكري والسياسي المباشر الذي تتبعه الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وبالنسبة إلى أنقرة، يتمثل هدفها المباشر في ضمان استمرار العملية السياسية الكردية داخل تركيا، التي تشهد مسارا لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وقد دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني هذه العملية بقوة، وقدما تدخلات مهمة لتسهيلها.
كما أيد الحزبان عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
وفي المدى القريب، من غير المرجح أن يبتعد الحزبان كثيرا عن هذا المسار، لكن الخطر يكمن في أن يؤدي تعمق الانقسام الداخلي إلى تفتيت مواقفهما بشأن القضايا التي تتجاوز حدود الإقليم، وهو ما قد يدفع أنقرة إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، الأمر الذي من شأنه زيادة حالة عدم الاستقرار.
أما بالنسبة إلى إيران، فيتمثل هدفها الأول في ضمان عدم انخراط الجماعات الكردية في الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة. وحتى الآن، يتفق الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على ضرورة تجنب أي انطباع بإمكانية تدخلهما ضد طهران.
ويتمثل الهدف الثاني لإيران في الحد من أنشطة الجماعات الكردية المسلحة المرتبطة بها، وصولا إلى المطالبة بإخراجها من إقليم كردستان العراق. غير أن ضعف المؤسسات الحكومية وانقسامها داخل الإقليم يجعلان تحقيق هذا الهدف أمرا صعبا، وهو ما يزيد احتمالات لجوء إيران إلى اتخاذ إجراءات مباشرة بنفسها.
وفي ظل غياب الوجود الأمني الأمريكي، قد يؤدي تدخل دول الجوار الإقليمية أيضا إلى دفع القيادات العراقية في بغداد إلى زيادة تدخلها في شؤون إقليم كردستان، وهو ما سيشكل تطورا سلبيا بالنسبة إلى الحكم الذاتي الكردي، وقد يؤدي إلى تأجيج التوترات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
مستقبل الحكم الذاتي الكردي
إن حالة الاستياء السياسي التي سادت إقليم كردستان خلال الانتخابات قبل عامين ازدادت عمقا، وأصبح نقل القرارات الإدارية إلى المستوى المحلي أحد المقترحات المطروحة لتجاوز الجمود الحزبي المستعصي على مستوى القيادة، غير أن هذا الخيار قد يترتب عليه عدد من التداعيات الواسعة.
ويهدد استمرار الجمود السياسي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بإحداث تراجع لا رجعة فيه في الأطر والمؤسسات التي أسهمت في ترسيخ الحكم الذاتي الكردي خلال العقدين الماضيين.
ولمعالجة هذا الانسداد، يتعين على قيادات الحزبين التفكير في حلول مبتكرة تتيح تجاوز الخلافات، شرط ألا تؤدي هذه الحلول إلى تعميق الانقسام أو إضعاف المؤسسات المشتركة أو تقويض المبادئ الديمقراطية.
وإلا، فقد يتحول إقليم كردستان إلى ساحة تتمكن فيها أطراف أخرى من تفكيك مؤسساته واستغلال انقساماته، على حساب الحكم الذاتي الذي تحقق للأكراد بعد سنوات طويلة من الصراع.
*تشاتام هاوس – المعهد الملكي للشؤون الدولية.
أضف تعليقاً