متابعات – وكالة النبأ
يبدو العراق من بين أكثر الدول عرضة لتداعيات الحملة الأميركية الجديدة لعزل إيران اقتصادياً، في ظل تشابك المصالح الاقتصادية بين بغداد وطهران، واعتماد قطاع الكهرباء العراقي جزئياً على الغاز الإيراني، فضلاً عن ارتباط جزء من النشاط المصرفي بحركة الدولار، بالتزامن مع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز على صادرات النفط العراقية.
وتجاوز حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران 10 مليارات دولار خلال عام 2025، إلا أن حجم المخاطر التي تواجه بغداد يتجاوز ملف التجارة المباشرة، إذ تشمل قطاعات الطاقة والنفط والمصارف، وهي ملفات تخضع بدرجات متفاوتة للرقابة والعقوبات الأميركية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إطلاق وزارة الخزانة الأميركية ما وصفته بـ"عملية العزل الاقتصادي"، وهي حملة تستهدف خمسة من أبرز مصادر التمويل التي تعتمد عليها إيران. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن تسعى إلى فرض "أكبر عزلة اقتصادية في التاريخ" على طهران.
وحذرت وزارة الخزانة الأميركية الشركات والمؤسسات المالية والحكومات الأجنبية من أن استمرار التعامل مع القطاعات المستهدفة قد يعرضها لعقوبات ثانوية أو قيود على الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
ويضع ذلك العراق، وفق مراقبين، أمام معادلة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد، في ظل صعوبة فصل اقتصاده عن إيران خلال فترة قصيرة.
وقال رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري لوكالة دولية، إن العراق يبدو من بين الدول الأكثر عرضة لتداعيات الحملة الأميركية، إلى جانب الصين وروسيا وتركيا والهند.
من جهته، حدد الخبير الاقتصادي ضياء المحسن أربعة مسارات رئيسية يمكن أن ينتقل عبرها الضغط الأميركي إلى الاقتصاد العراقي، وهي الغاز والكهرباء والنفط والمصارف.
الغاز والكهرباء في الواجهة
ويعد ملف الغاز الإيراني من أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى بغداد، نظراً إلى اعتماد محطات كهرباء عراقية على واردات الغاز من إيران.
وقال المحسن إن قدرة العراق على تسديد مستحقات الغاز الإيراني قد تتأثر بالعقوبات، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى تقليص الإمدادات أو وقفها، وهو ما سينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء.
وأوضح أن "الغاز والكهرباء صارا في جبهة واحدة"، مشيراً إلى أن انخفاض إمدادات الغاز يعني تراجع الطاقة المتاحة لمحطات التوليد، وبالتالي زيادة ساعات انقطاع الكهرباء عن المواطنين.
وليس هذا الملف جديداً على بغداد، إذ منحت واشنطن العراق، منذ نوفمبر 2018، إعفاءات محدودة زمنياً للسماح له باستيراد الطاقة من إيران، وجُددت تلك الإعفاءات 23 مرة، مع ربط استمرارها بتقدم العراق في تنويع مصادر الطاقة. إلا أن الخارجية الأميركية أنهت تلك الإعفاءات في مارس 2025.
وكانت الحكومة العراقية تقدر اعتمادها على نحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز الإيراني يومياً، بما يغطي أكثر من 40 بالمئة من إنتاج وزارة الكهرباء، فيما قال مسؤولون في قطاع الطاقة إن بغداد كانت تدفع لطهران ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً مقابل الاستيراد.
وأعرب مسؤول في وزارة الكهرباء العراقية، وفق "الحرة"، عن مخاوف من احتمال انقطاع الغاز الإيراني، معتبراً أن تداعيات الملف لا تقتصر على الجانب الخدمي، بل قد تحمل أبعاداً سياسية تؤثر على استقرار الحكومة.
النفط ومضيق هرمز
ويمثل النفط، بحسب المحسن، المسار الأخطر، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثر حركة الصادرات العراقية.
وقال إن المضيق يمثل المنفذ البحري الرئيسي المتبقي أمام صادرات العراق، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني سمح بمرور عدد من الناقلات، لكنه حذر من أن أي تصعيد في العلاقات أو التزام عراقي واسع بالعقوبات الأميركية قد يؤدي إلى عرقلة حركة السفن العراقية.
ولا تقتصر المخاطر على صادرات النفط، إذ إن أي اضطراب طويل في الملاحة عبر المضيق قد ينعكس كذلك على واردات السلع، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وتراجع إنتاج العراق النفطي، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 4.3 مليون برميل، بعد إغلاق المضيق وتوقف التصدير عبر الموانئ الجنوبية، فيما أصبح خط الأنابيب المار عبر إقليم كوردستان العراق إلى ميناء جيهان التركي منفذ التصدير الوحيد العامل باتجاه البحر المتوسط.
ووضعت إيران شروطاً أمام واشنطن لإعادة فتح مضيق هرمز، من بينها إنهاء العمليات العسكرية ورفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من محيطها ودفع تعويضات عن أضرار الحرب والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة.
وكان الطرفان قد وقعا في 18 يونيو مذكرة تفاهم بشأن حرية الملاحة، إلا أن تنفيذها تعثر بسبب خلافات مرتبطة بأمن المضيق.
وقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال مؤتمر "حوار بغداد الثامن"، إن العراق يواجه ظروفاً إقليمية صعبة، وإن إغلاق مضيق هرمز يشكل تحدياً كبيراً للبلاد.
المصارف تحت الرقابة الأميركية
ويأتي القطاع المصرفي في المرتبة الثالثة من حيث مصادر الضغط المحتملة، في ظل اعتماد حركة مالية وتجارية واسعة على المصارف وشركات التحويل.
وقال المحسن إن العديد من التعاملات المرتبطة بالتجارة مع إيران تمر عبر مؤسسات مالية وشركات تحويل، محذراً من أن عدم التزام هذه المؤسسات بالعقوبات الأميركية قد يؤدي إلى فرض عقوبات عليها، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي العراقي.
وأشار الشمري إلى أن الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على عدد من المصارف والشركات والشخصيات العراقية، في إطار جهودها للحد من مسارات الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وفي يوليو 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 14 مصرفاً عراقياً ضمن حملة استهدفت التعاملات المرتبطة بإيران بالدولار.
وفي يناير 2024، صنفت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية مصرف الهدى العراقي باعتباره مؤسسة تثير "قلقاً رئيسياً في مجال غسل الأموال"، وقالت إنه استُخدم قناة لتمويل جماعات مدعومة من إيران.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن 35 مصرفاً من أصل 72 مصرفاً عاملاً في العراق أصبحت مشمولة بدرجات متفاوتة من القيود أو العقوبات.
وفي مايو الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات ضمن حملة أطلقت عليها اسم "الغضب الاقتصادي"، استهدفت مسؤولاً نفطياً عراقياً وقيادات مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران. كما نشر البنك المركزي العراقي في فبراير 2026 قائمة بالمصارف والشركات المقيدة من التعامل بالدولار.
ويرى الشمري أن وجود مراكز اقتصادية ومالية ومصرفية مرتبطة بإيران داخل العراق يزيد من صعوبة مهمة الحكومة، لكنه في الوقت نفسه يمنح بغداد حافزاً لاتخاذ إجراءات لإغلاق أو تقييد عمل المصارف وشركات الصيرفة التي يمكن أن تستخدم للالتفاف على العقوبات.
ويضيف أن تنفيذ هذه الإجراءات يحتاج إلى وقت، في حين قد لا تكون الإدارة الأميركية مستعدة لمنح بغداد هامشاً زمنياً واسعا.
اختبار سياسي لبغداد
ولا ينفصل الضغط الاقتصادي عن الملف السياسي والأمني، إذ يرى الشمري أن واشنطن تضع الحكومة العراقية أمام اختبار أوسع يتعلق بقدرتها على الحد من النفوذ الإيراني، بما في ذلك ملف حصر السلاح بيد الدولة.
وتنتهي في 30 سبتمبر المهلة التي حددتها الحكومة لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، وهو الموعد نفسه المرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
وبذلك تواجه بغداد ضغوطاً متزامنة على أربعة محاور: تأمين الغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، والحفاظ على تدفق صادرات النفط، وحماية القطاع المصرفي من العقوبات، وإدارة علاقتها الاقتصادية والسياسية مع إيران من جهة، ومتطلبات واشنطن من جهة أخرى.
ويخلص الشمري إلى أن صعوبة السيطرة على شبكات النفوذ الاقتصادي الإيراني داخل العراق قد تكون العامل الأكثر حساسية في تحديد حجم العقوبات والضغوط التي يمكن أن تتعرض لها بغداد خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا توسعت الحملة الأميركية لتشمل الأطراف والدول التي ترى واشنطن أنها تساعد طهران على تجاوز العقوبات.
أضف تعليقاً