بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

من "حصن أمريكا الشمالية" إلى حرب تجارية شاملة.. كيف انهارت مفاوضات الولايات المتحدة وكندا

تكشف تفاصيل الساعات الأخيرة من المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا أن الخلاف لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر بشأن الرسوم الجمركية، بل صداماً حول ملفات اقتصادية وسياسية وسيادية اعتبرتها أوتاوا خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)، وترجمته وكالة النبأ، فإن واشنطن قالت إنها عرضت على كندا أفضل اتفاق تجاري يمكن أن تحصل عليه أي دولة، لكن ما كان يتعين على أوتاوا تقديمه في المقابل اعتُبر غير مقبول بالنسبة إلى الجانب الكندي.

ومع اقتراب منتصف ليل الجمعة، الموعد المحدد لدخول رسوم جمركية أمريكية جديدة على كندا حيز التنفيذ، كان المفاوضون من الجانبين لا يزالون يعملون في مكاتب قبالة البيت الأبيض، ويتبادلون مسودات الاتفاق ويعيدون صياغة بنوده.

وقال مسؤولون أمريكيون إن بلادهم قدمت لكندا أفضل صفقة تجارية لأي دولة، بينما رأى الكنديون أن العرض لم يكن جيداً بما يكفي. ومع اقتراب انتهاء المهلة، تمسك كل طرف بمواقفه أكثر.

وقال أحد المفاوضين الكنديين إن الأمر بدا كما لو أن "شخصيات خفية ظهرت فجأة في الغرفة"، وبدأت تطرح قضايا كان الجانبان يعتقدان أنهما حسمَاها خلال الأيام السابقة.

وفي أوتاوا، أجرى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اتصالاً برئيس وزراء مقاطعة أونتاريو دوغ فورد، الذي أبلغه بوضوح: "لا تقبل بالصفقة".

وكان فورد قد رفض الاستجابة لأحد المطالب الأمريكية الرئيسية، والمتمثل بإعادة السماح ببيع المشروبات الكحولية الأمريكية التي حظر بيعها، إلى جانب معظم قادة المقاطعات الكندية. كما خلص إلى أن الرسوم الأمريكية المفروضة على الصلب والسيارات الكندية لا تزال مرتفعة إلى درجة تهدد قدرة هذه الصناعات على الاستمرار على المدى الطويل.

واتصل كارني بفريقه في واشنطن للحصول على آخر مستجدات المفاوضات، ثم، بعد الساعة العاشرة والنصف مساء بقليل، قرر إنهاء المفاوضات وأمر أعضاء فريقه بالعودة إلى أوتاوا.

وكانت المحادثات، التي استمرت نحو شهر بهدف تجنب فرض رسوم أمريكية جديدة على كندا وتخفيف الرسوم التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب سابقاً، قد حققت تقدماً تدريجياً، قبل أن تنهار بصورة مفاجئة، ممهدة الطريق أمام حرب تجارية شاملة بين البلدين.

وتعددت نقاط الخلاف خلال الساعات الأخيرة، إذ اصطدم المفاوضون بشأن القواعد الكندية المتعلقة بالترويج للأفلام والبرامج الناطقة بالفرنسية عبر الإنترنت، فضلاً عن مطالبة إدارة ترامب كندا بتنسيق رسومها الجمركية على الصلب مع السياسة الأمريكية تجاه الدول الأخرى.

في المقابل، طالبت كندا بمعاملة أكثر سخاء لسياراتها ومركباتها الكهربائية والمنتجات المصنوعة من المعادن، قبل أن تتراجع في نهاية المطاف عن عرضها التعاون في مشروع خط أنابيب "كيستون إكس إل" الذي لطالما سعى ترامب إلى إحيائه، وفق أشخاص مطلعين على المفاوضات.

وبعد انهيار المحادثات، هدد ترامب يوم الاثنين برفع الرسوم على جميع السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات والصلب القادم من كندا إلى 50 في المئة اعتباراً من الأول من يناير/كانون الثاني، ووصف المسؤولين الكنديين بأنهم "مهرجون" ومن بين "أسوأ الدول في العالم للتعامل معها".

وكتب ترامب: "نحن لا نحتاج إلى كندا، هم يحتاجون إلينا!".

ورد كارني قائلاً إن "التعامل على طاولة المفاوضات مع كندا باعتبارها شركة تابعة للولايات المتحدة، أمر لن نقبله".

ومن المتوقع أن تعلن الحكومة الكندية رسوماً جمركية انتقامية على الواردات الأمريكية.

خط أنابيب يعود من الموت

كان مشروع خط أنابيب "كيستون إكس إل" أحد الملفات التي عادت إلى طاولة المفاوضات، رغم أن المشروع أُلغي عام 2021 في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

وقال ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن "خط أنابيب كيستون إكس إل العظيم، الذي قتله جو بايدن النائم منذ فترة طويلة، قد يستيقظ من قبره"، زاعماً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة وكندا توصلتا إلى "اتفاق".

وكان كارني قد طرح فكرة إحياء المشروع خلال أول زيارة له إلى البيت الأبيض العام الماضي.

وبحسب مسؤولين، فقد أثار كارني القضية مجدداً خلال اتصال هاتفي مع ترامب في بداية الأسبوع، مشيراً إلى أن كندا قد تنظر في إعادة إحياء الجزء الخاص بها من خط الأنابيب مقابل التوصل إلى اتفاق مناسب بشأن الرسوم الجمركية.

وقال مسؤول أمريكي سابق مطلع على المحادثات إن ترامب كان مسروراً بهذا الطرح.

لكن بحلول يوم الجمعة، عاد مشروع "كيستون إكس إل" إلى حالة الجمود. وقال مسؤول أمريكي إن كندا أبدت في الساعات الأخيرة تردداً في التعاون بشأن المشروع، فيما قال مسؤول كندي إن الاتفاق التجاري المطروح لم يكن جيداً بما يكفي لجعل المشروع مجدياً.

عامل لوتنيك

في بداية الأسبوع، كان المفاوضون الكنديون يأملون في إحراز تقدم. وبعد تهديد ترامب الشهر الماضي بفرض رسوم بنسبة 50 في المئة على مئات المنتجات، طلبت أوتاوا الدخول في مفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يعالج الرسوم السابقة والتهديدات الجديدة.

وأعطى ترامب الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير الضوء الأخضر لاستكشاف ما يمكن أن تقدمه كندا.

لكن عدداً من الملفات التي كانت تمثل أهمية كبيرة للكنديين لم تكن بيد غرير وحده، بل كانت تقع ضمن صلاحيات وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، الذي بقي داخل مبنى وزارة التجارة بعد اجتماع استمر نحو ساعتين بين غرير ووزير التجارة الكندي دومينيك لوبلان.

ويشرف لوتنيك، وهو وسيط سندات سابق معروف بمواقفه الحادة ويتمتع بعلاقة طويلة مع ترامب، على الرسوم الأمريكية المفروضة على السيارات والشاحنات والصلب والألمنيوم، وهي الملفات التي ستصبح لاحقاً من أبرز أسباب انهيار المفاوضات.

وفي ليلة الثلاثاء، توصل المسؤولون الأمريكيون والكنديون إلى الخطوط العريضة لاتفاق، وأعلن ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه أوقف الرسوم حتى منتصف ليل الجمعة لمنح الطرفين فرصة لاستكمال الإجراءات.

لكن عندما دخل الجانبان في التفاصيل يوم الأربعاء، ولا سيما في ملفي المعادن والسيارات، ظهرت خلافات جديدة. وكان لوتنيك متحفظاً على المقترحات الكندية التي كانت ستخفض الرسوم على السيارات إلى مستوى أدنى مما يريده.

ومع تسرب أنباء عن احتمال خفض الرسوم الأمريكية على الصلب والألمنيوم الكنديين، ضغطت شركات أمريكية على وزارة التجارة والبيت الأبيض للإبقاء على إجراءات الحماية. وتدخل لوتنيك لصالحها، مقترحاً أن تقتصر معدلات الرسوم المخفضة على كمية محددة من الألمنيوم.

وبعد عدة أيام من المفاوضات، عاد لوبلان إلى أوتاوا بعد ظهر الأربعاء، لكنه عاد بشكل عاجل إلى واشنطن في صباح اليوم التالي، برفقة مارك أندريه بلانشارد، كبير موظفي كارني.

وبحسب شخصين مطلعين على الأحداث، لم يكن من المقرر أن يكون الاثنان في واشنطن في ذلك اليوم، لكنهما عادا على وجه السرعة بسبب تدخل لوتنيك.

كما أصر لوتنيك على عدم خفض الرسوم على الشاحنات الثقيلة، على غرار السيارات، وهو ما اعتبرته كندا خطاً أحمر، خصوصاً أنها تنتج في أونتاريو طرازات مثل "شيفروليه سيلفرادو" و"فورد F-350" و"F-450".

وأثارت تدخلات لوتنيك استياء داخل مكتب الممثل التجاري الأمريكي، الذي كان يتفاوض مع الكنديين منذ أسابيع. وقال شخص قريب من المكتب إن غرير لم يختلف جوهرياً مع لوتنيك، لكنه لم يعتقد أن الكنديين سيقبلون بالمقترحات.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن موقف لوتنيك المتشدد لم يتسبب في تعطيل المفاوضات، فيما قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن الفريق التجاري والاقتصادي بأكمله "كان يعمل وفق خطة واحدة، هي خطة الرئيس ترامب".

وقال غرير إن الولايات المتحدة عرضت في نهاية المطاف خفض الرسوم على الصلب والألمنيوم والسيارات، وإلغاء الرسوم المفروضة على الأخشاب الكندية بالكامل.

لكن لوتنيك كان قد أصبح بالفعل شخصية غير محبوبة لدى كثير من الكنديين، رغم تبادله رسائل ودية مع كارني. كما سبق أن تدخل لمنع افتتاح جسر جديد بين كندا والولايات المتحدة، وقال خلال فعالية في واشنطن في أبريل/نيسان إن المسؤولين الكنديين "سيئون".

وكان لوتنيك قد أوضح أيضاً أن هدفه يتمثل في نقل إنتاج السيارات من كندا إلى الولايات المتحدة. وخلال قمة أمريكية-كندية في نهاية العام الماضي، قال لوتنيك للحضور الكنديين عبر الاتصال المرئي إن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بشراء السيارات المصنوعة في كندا.

السيادة أولاً

بالنسبة إلى الفريق الكندي، تحولت مجموعة من القضايا إلى مسائل تتعلق بالسيادة الوطنية.

وفي يوم الجمعة، أثار المسؤولون الأمريكيون مخاوف بشأن الاتفاقات التجارية المستقبلية التي قد تبرمها كندا، وكيفية منع تدفق المنتجات الأجنبية إلى أمريكا الشمالية.

وقال مسؤول كندي إن واشنطن أرادت أن تتمكن من مراجعة شروط الاتفاقات التجارية الكندية مع دول أخرى، وربما تحديدها.

وكان المفاوضون الكنديون قد دخلوا المحادثات باقتراح هدف نهائي أطلقوا عليه اسم "حصن أمريكا الشمالية"، يقوم على فرض رسوم منخفضة جداً أو معدومة بين كندا والولايات المتحدة، مع توحيد الرسوم المفروضة على الدول الأخرى.

لكن الولايات المتحدة أرادت من كندا أن تطبق الرسوم الأمريكية على دول أخرى، ولا سيما في قطاع الصلب، سواء في الوقت الحالي أو مستقبلاً.

وبموجب الطرح الأمريكي، إذا غيرت واشنطن سياستها ورفعت الرسوم على سلع معينة من دولة ثالثة، فسيكون على كندا أن تفعل الشيء نفسه، حتى لو كانت لديها اتفاقية تجارية قائمة مع تلك الدولة، وفق مسؤول كندي.

وترى إدارة ترامب أن هذا الإجراء ضروري لمنع، على سبيل المثال، تدفق الصلب الرخيص من دول ثالثة عبر كندا إلى السوق الأمريكية.

لكن الكنديين رفضوا هذا الطرح، خصوصاً أنهم يجرون مفاوضات بشأن اتفاقات تجارية متعددة مع دول في أمريكا اللاتينية وغيرها، ضمن رؤية كارني لتنويع التجارة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

وقال مسؤول كندي إن الجانب الأمريكي أراد أيضاً من أوتاوا التراجع سريعاً عن برنامج "اشترِ كندياً" الذي أطلقته العام الماضي لدعم القطاعات المتضررة من الرسوم الأمريكية، وهو برنامج يعطي الأولوية للمنتجات والموردين المحليين في مشاريع القطاع العام، على غرار سياسات أمريكية تهدف إلى تفضيل الصناعات المحلية.

كما طالبت كندا بضمانات تضمن عدم إلغاء الاتفاق بشكل مفاجئ من جانب إدارة ترامب. لكن الولايات المتحدة أصرت على الاحتفاظ بحقها الكامل في تغيير سياستها الجمركية تجاه كندا في أي وقت، بغض النظر عن الاتفاق.

وقال كارني في خطاب غاضب وجهه إلى الكنديين يوم السبت إن توقيع الولايات المتحدة على الاتفاقات التجارية قد يكون "مكتوباً بقلم رصاص".

خلاف ضائع في الترجمة

كان أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات، والذي أثار غضباً واسعاً في كندا بعد انهيارها، هو ما قاله كارني بشأن رغبة الولايات المتحدة في التدخل في السياسة الكندية الخاصة بحماية اللغة الفرنسية.

وتعد الفرنسية، التي يتحدث بها معظم سكان مقاطعة كيبيك، وإن لم تكن اللغة الوحيدة المستخدمة فيها، إحدى اللغتين الرسميتين في كندا، كما تمثل ثنائية اللغة سياسة حكومية على مستوى البلاد.

وتحمي قوانين مختلفة استخدام الفرنسية وتضمن استمراره في الحياة اليومية، بدءاً من ملصقات المنتجات وصولاً إلى تمويل الفنون والتعليم.

وترى كيبيك أن هذه الضمانات أساسية للحفاظ على وحدتها مع كندا، في ظل تاريخ طويل من التهديدات بالانفصال.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً