تسعى باكستان إلى استثمار مكاسبها الدبلوماسية الأخيرة لتعزيز موقعها لاعباً مؤثراً بين القوى الدولية والإقليمية، لكن تصاعد العنف والانقسامات السياسية في الداخل يثير تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على هذا النفوذ وتحويل نجاحاتها الخارجية إلى سياسة مستدامة.
وفي تحليل نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس، وترجمته وكالة النبأ، رأت الباحثة المشاركة في برنامج آسيا والمحيط الهادئ، الدكتورة فرزانا شيخ، أن المكاسب الجيوسياسية التي حققتها إسلام آباد تواجه مخاطر متزايدة بفعل تدهور الوضع الأمني وتصاعد التوتر السياسي داخل البلاد.
وأشار التحليل إلى أن باكستان حظيت بإشادة دولية لدورها في الوساطة بشأن الاتفاق الأميركي-الإيراني الذي أفضى إلى وقف مؤقت للحرب، وهو ما شجع إسلام آباد على محاولة توظيف علاقاتها مع قوى وخصوم إقليميين مختلفين لبناء سياسة خارجية أكثر نشاطاً.
وبحسب "تشاتام هاوس"، جاء توقيع اتفاق دفاع مشترك بين باكستان والسعودية وتركيا في 7 آب/أغسطس ليشكل أحدث خطوات إسلام آباد في هذا الاتجاه، إذ ينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول الأخرى، ما دفع بعض المراقبين إلى وصفه بـ"الناتو الإسلامي".
وفي الوقت نفسه، تحاول باكستان ترسيخ صورتها بوصفها وسيطاً بين أطراف متنافسة، إذ برز قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وفق التحليل، بوصفه قناة اتصال رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران.
وذكرت فرزانا شيخ أن منير زار طهران في آب/أغسطس للمرة الثالثة خلال العام الجاري، في زيارة قالت إنها جاءت على ما يبدو بطلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف محاولة إحياء عملية السلام المتعثرة، فضلاً عن مشاركته في جهود دبلوماسية تستهدف تخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
لكن الباحثة ترى أن هذه المكاسب الخارجية تصطدم بواقع داخلي أكثر تعقيداً، معتبرة أن عدم قدرة باكستان على احتواء النزاعات وضمان الأمن داخل حدودها يثير تساؤلات بشأن مصداقيتها كوسيط دولي وقدرتها على بناء سياسة خارجية فعالة، انطلاقاً من مبدأ أن "السياسة الخارجية تبدأ من الداخل".
وتتركز أبرز التحديات الأمنية في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا المحاذيين للحدود، حيث تصاعد نشاط الجماعات المسلحة بصورة لافتة.
ونقلا عن معهد باكستان لدراسات الصراع والأمن "PICS" جاء في التحليل، أن ما لا يقل عن 600 شخص قتلوا في هجمات إرهابية بأنحاء البلاد خلال تموز/يوليو وحده.
وسجل إقليم بلوشستان الحصيلة الأعلى، إذ ارتفع عدد القتلى من 109 أشخاص في حزيران/يونيو إلى 372 في تموز/يوليو، ليصبح الشهر الأكثر دموية في الإقليم خلال عام 2026.
وعزا التحليل جانباً كبيراً من أعمال العنف إلى المواجهات بين قوات الأمن و"جيش تحرير بلوشستان" المحظور، مشيراً إلى أن الجماعة تستثمر حالة استياء متراكمة منذ عقود بشأن التمثيل السياسي وتوزيع الموارد ومصير آلاف الناشطين البلوش الذين تفيد تقارير بفقدانهم.
وكشف الملف البلوشستاني، وفق الباحثة، عن تباين داخل دوائر القرار الباكستانية، إذ دعا رئيس الوزراء شهباز شريف في 21 آب/أغسطس إلى "حوار شامل" لمعالجة مظالم الإقليم، قبل أن يستبعد قائد الجيش عاصم منير إجراء مفاوضات ويصف المتمردين البلوش بأنهم "وكلاء مدعومون من الخارج" تستخدمهم "عناصر معادية"، في إشارة اعتبر التحليل أنها موجهة إلى الهند.
وفي خيبر بختونخوا، ارتفعت بدورها وتيرة هجمات مسلحي حركة طالبان باكستان "TTP"، إذ سجل الإقليم 154 قتيلاً خلال تموز/يوليو مقارنة بـ75 في حزيران/يونيو، بزيادة بلغت 105 في المئة.
وتنشط الحركة بصورة رئيسية قرب الحدود مع أفغانستان، فيما ترى إسلام آباد أن نشاطها تعزز منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021، وتتهم السلطات الأفغانية بالسماح لمسلحي الحركة باستخدام أراضيها ملاذات لشن هجمات عبر الحدود، وهي اتهامات تنفيها أفغانستان.
وأشار تقرير "تشاتام هاوس" إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت مواجهات دامية على الحدود في تشرين الأول/أكتوبر 2025، قبل انهيار وقف لإطلاق النار توسطت فيه تركيا وقطر، فيما استأنفت باكستان ضرباتها الجوية داخل أفغانستان في شباط/فبراير، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وأثار إدانات دولية.
ولم تقتصر الاضطرابات على المناطق الحدودية، إذ امتدت إلى إقليم كشمير الخاضع للإدارة الباكستانية، حيث أفاد التحليل بمقتل نحو 100 شخص خلال احتجاجات في حزيران/يونيو، بينها احتجاجات في العاصمة مظفر آباد.
وكانت الاحتجاجات قد بدأت عام 2023 على خلفية ارتفاع أسعار الكهرباء والقمح، قبل أن تتطور إلى مطالب بإصلاحات سياسية ودستورية، وتولت تنسيقها "لجنة العمل الشعبي المشتركة"، وهي حركة حقوقية شعبية حظرتها السلطات لاحقاً وصنفتها منظمة إرهابية.
انقسامات سياسية تضغط على الداخل
ورأت فرزانا شيخ أن التوترات الأمنية تتزامن مع ظهور تصدعات داخل صيغة الحكم الحالية في باكستان، التي وصفتها بأنها نظام "هجين" تتقاسم فيه الحكومة المدنية السلطة مع مؤسسة عسكرية أكثر نفوذاً.
وتزايدت المخاوف من صراع جديد بين مراكز القوة بعد إقرار البرلمان، في 20 آب/أغسطس، تشريعاً يضفي طابعاً رسمياً على الصلاحيات الموسعة لعاصم منير بصفته قائداً لقوات الدفاع، فيما انتقد حزب الشعب الباكستاني سرعة تمرير التشريع.
كما أثارت مقترحات لإعادة رسم التقسيم الإداري للبلاد عبر تفكيك الأقاليم الأربعة الحالية واستبدالها بوحدات أصغر خلافات سياسية جديدة، بعدما برر وزير الداخلية محسن نقوي المشروع بالقول إن النظام الحالي "انهار".
وبينما أبدى حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية - جناح نواز، الحاكم، مرونة تجاه المقترحات، عارضها حزب الشعب الباكستاني، وسط مخاوف من خسارته جزءاً من نفوذه في معقله بإقليم السند، ولا سيما إذا أدى التقسيم إلى فصل كراتشي وتحويلها إلى وحدة إدارية مستقلة.
ووفق تحليل "تشاتام هاوس"، غذّت هذه التطورات تكهنات بشأن احتمال التوصل إلى تفاهم بين المؤسسة العسكرية ورئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان، يقوم على حصوله على "تسهيلات" مقابل تعاون حزبه، حركة الإنصاف الباكستانية، في تمرير الإصلاحات المقترحة.
وتحتاج تلك الإصلاحات إلى تعديل دستوري يتطلب أغلبية الثلثين، وهي أغلبية يرى التحليل أن الحكومة قد تجد صعوبة في تأمينها من دون دعم حزب الشعب الباكستاني.
وازدادت التكهنات بعد إصدار المحكمة العليا في 18 آب/أغسطس أمراً بنقل عمران خان من سجنه في روالبندي إلى مستشفى خاص في إسلام آباد، إلا أن الحكومة طعنت في القرار ورتبت نقله إلى مستشفى حكومي بدعوى وجود مخاوف أمنية، قبل إعادته إلى الحبس الانفرادي بعد ساعات من خضوعه لفحوص طبية.
وخلصت فرزانا شيخ إلى أن المناخ السياسي المتوتر والتدهور الأمني المتسارع قد يهددان المكاسب الجيوسياسية التي عملت باكستان على تحقيقها، محذرة من أن اللجوء إلى تشديد الإجراءات ضد المعارضين واعتماد نهج متشدد في التعامل مع النزاعات الداخلية قد يؤديان إلى زيادة حدة التوتر.
ورأت الباحثة أن القيادة الباكستانية بحاجة إلى نقل قدرتها على الحوار والوساطة التي أظهرتها في الخارج إلى الداخل، والعمل على احتواء المواجهات الداخلية وخفض التوتر مع الدول المجاورة.
وبحسب خلاصة تحليل "تشاتام هاوس"، فإن نجاح باكستان في بناء نفوذ دولي متزايد لن يكون كافياً لضمان استمراره إذا لم تتمكن إسلام آباد من معالجة أزماتها السياسية والأمنية الداخلية، إذ قد تتحول تلك الأزمات إلى العامل الذي يبدد المكاسب التي حققتها سياستها الخارجية.
الرأي والتحليل
باكستان توسّع نفوذها خارجياً.. أزمات الداخل تهدد مكاسب إسلام آباد
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً