تتجه عائلات أميركية ميسورة إلى إنفاق عشرات الآلاف من الدولارات على برامج متخصصة لقضاء سنة فاصلة بين الدراسة الثانوية والجامعة، في محاولة لمنح أبنائها تجارب عالمية ومهارات عملية تساعدهم، بحسب اعتقادهم، على التميز أكاديمياً ومهنياً.
وبحسب تقرير نشرته وكالة لوس أنجلوس تايمز وترجمته وكالة النبأ تدفع بعض العائلات مبالغ تصل إلى 95 ألف دولار أو أكثر مقابل هذه البرامج، التي تجمع بين السفر والتدريب العملي والعمل التطوعي والإرشاد الشخصي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى قدرة الشهادة الجامعية وحدها على منح الخريجين ميزة في سوق العمل.
وذكر التقرير ان من بين هذه العائلات ناتاليا بيرتران، التي كانت مستعدة لإنفاق ما يصل إلى 90 ألف دولار على السنة الأولى لابنها في الجامعة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذا المبلغ ذهب بدلاً من ذلك إلى سنة فاصلة عن الدراسة.
وبدلاً من إرساله إلى السكن الجامعي، ودعته بيرتران في المطار لبدء رحلة حول العالم استمرت ثمانية أشهر ضمن برنامج باريت سكولارز، الذي تبلغ تكلفته 94,500 دولار.
ويتيح البرنامج للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و22 عاماً فرصة قضاء عام في التعلم واكتساب الخبرات، بعيداً عن المسار الأكاديمي التقليدي.
وخلال تلك الفترة، شارك ابن بيرتران في مجموعة من الأنشطة والتجارب، بينها القفز بالحبل بالقرب من شلالات فيكتوريا في جنوب أفريقيا، وزيارة بنك إيتاو يوني بانكو في البرازيل، والعمل على برمجة تطبيق، قبل أن يتوجه إلى جامعة بوكوني في ميلانو في أغسطس.
ورغم خفض البرنامج للرسوم الدراسية، فإن تكاليف السفر والمصروفات الشخصية رفعت إجمالي ما أنفقته العائلة إلى نحو 80 ألف دولار.
وترى بيرتران أن التجربة منحت ابنها فوائد لم تكن الجامعة قادرة على توفيرها، مشيرة إلى أنه اكتسب خلال تلك الفترة تعلماً وخبرات أكثر مما كان سيحصل عليه خلال عام دراسي تقليدي.
ويضيف التقرير ان برامج السنة الفاصلة أصبحت أكثر جذباً للعائلات الميسورة، في ظل تزايد القلق بشأن قيمة الشهادة الجامعية وحدها، وما إذا كانت كافية لتمييز الخريجين في سوق العمل.
وتنفق بعض الأسر مبالغ تتجاوز أحياناً تكلفة عام دراسي جامعي كامل على برامج توفر للطلاب السفر والتدريب والعمل التطوعي والتوجيه الشخصي، بهدف بناء سيرة ذاتية أقوى، واكتساب مهارات عملية، وربما تعزيز فرص القبول في الجامعات المرموقة.
فقد خلص تحليل أجراه باحثون في كلية كولورادو وجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل عام 2020 إلى أن الطلاب الذين أخذوا سنة فاصلة حققوا معدلات تراكمية أعلى في الجامعة، إلا أنهم كانوا أيضاً أكثر احتمالاً للانتماء إلى عائلات ميسورة والالتحاق بمدارس ثانوية أكثر صرامة.
وترى ساندي باوم، الزميلة الأولى غير المقيمة في معهد أوربان والمتخصصة في دراسة إمكانية الوصول إلى التعليم العالي، أن تحديد الأثر الحقيقي لهذه البرامج يتطلب دراسات تقوم على توزيع الطلاب عشوائياً بين البرامج المختلفة، وهو أمر يصعب تطبيقه عملياً.
وتشير باوم إلى أن تحسين السيرة الذاتية أو مساعدة الطالب على الالتحاق بكلية أفضل قد يؤدي بحد ذاته إلى نتائج تعليمية ومهنية أفضل، ما يجعل من الصعب تحديد مقدار النجاح الذي يعود مباشرة إلى برنامج السنة الفاصلة.
وعلى الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة بشأن العائد طويل الأمد لهذه البرامج، فإن الطلب عليها يتزايد.
وتضاعفت عضوية جمعية غاب يير، وهي منظمة غير ربحية تضع معايير لهذا القطاع، خلال ست سنوات لتضم قرابة 90 برنامجاً، بالتزامن مع ظهور عروض جديدة وأكثر تخصصاً.
كما سجل عدد من مقدمي هذه البرامج ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب. ووصلت شركة إن روت كونسلتينغ إلى الحد الأقصى المسموح به، وهو 50 طالباً، للمرة الأولى منذ عام 2021، بينما تضاعفت طلبات الالتحاق ببرنامج باريت تقريباً لتصل إلى نحو 750 طلباً للدفعة المقبلة.
وفي المقابل، استقطب برنامج تيك أكشن لاب التابع لشركة تيلتينغ فيوتشرز أكثر من 18 ألف طلب منذ إطلاقه عام 2023، وتبلغ تكلفة البرنامج 21 ألف دولار للفصل الدراسي.
وتقول هولي بول، التي بدأت العمل مستشارة للطلاب الراغبين في قضاء سنة فاصلة قبل نحو أربعة عقود، إن طبيعة هذه السنوات تغيرت بصورة واضحة.
ففي الماضي، كان من المعتاد أن يقضي الطلاب العام في متابعة فرق موسيقية أو العمل في المزارع، بينما يفضل الطلاب وأولياء أمورهم اليوم برامج أكثر تنظيماً وإشرافاً.
وتقترح بول نموذجاً يتضمن برنامجاً جماعياً منظماً من سبتمبر إلى ديسمبر، تليه عطلة شتوية، ثم عمل مدفوع الأجر أو تدريب داخلي أو عمل تطوعي خلال الربيع، قبل السفر بشكل مستقل في الصيف.
وترى أن الحاجة إلى الدعم والإرشاد أصبحت أكبر في الوقت الراهن، الأمر الذي ساهم في زيادة الطلب على البرامج المنظمة.
وتتراوح تكلفة البرنامج النموذجي الذي تقدمه بول بين 20 ألفاً و25 ألف دولار، من دون احتساب بعض نفقات السفر والمصروفات الشخصية، إضافة إلى رسوم استشارية تبلغ 2,800 دولار بحسب ما افاد التقرير.
ففي برنامج دينامي للتدريب العملي في مدينة ووستر بولاية ماساتشوستس، تبلغ تكلفة سنة كاملة من التدريب العملي والإرشاد والسكن 38,650 دولاراً، بزيادة قدرها 31% منذ عام 2020، وهي زيادة تعزوها إدارة البرنامج إلى ارتفاع تكاليف التشغيل.
أما مؤسسة فيوتشرز فورج، فتخطط لفرض رسوم تقارب 82 ألف دولار على برنامج يجمع بين السفر الدولي، وتدريب عملي يمتد من 12 إلى 20 أسبوعاً، ودورة مكثفة لتنمية المهارات لمدة 12 أسبوعاً.
ويقول مؤسس المؤسسة ناثانيال غرين إن بعض المستشارين أبلغوه بأن بإمكانه فرض رسوم تصل إلى نحو 120 ألف دولار.
وفي الوقت نفسه، أصبح العثور على برامج أقل تكلفة أكثر صعوبة، في ظل تراجع تمويل بعض برامج الخدمة المدنية، مثل أميريكوربس وفيلق السلام، إلى جانب ارتفاع تكاليف الرحلات الجوية والإقامة والتأمين.
وبحسب المدير التنفيذي المؤقت لجمعية غاب يير، جيسون ساروهان، ارتفعت تكلفة بعض البرامج التي كانت تبلغ نحو 10 آلاف دولار لتقترب من 20 ألف دولار.
تقول جوليا روجرز، مستشارة برامج السنة الفاصلة ومؤسسة شركة إن روت، إنها تنظر إلى هذه البرامج باعتبارها استثماراً في مستقبل الطالب.
وتتراوح تكلفة السنة الفاصلة التي تساعد العائلات في التخطيط لها بين 30 ألفاً و35 ألف دولار، وتشمل برنامجاً منظماً لفصل دراسي، يليه التطوع أو السفر أو العمل خلال النصف الثاني من العام.
وترى روجرز أن هذه التجربة توفر قيمة كبيرة مقارنة بتكلفة الجامعة، لأنها تمنح الطالب فرصة لاكتساب خبرات خارج المسار الأكاديمي التقليدي.
لكن هذه البرامج ليست جامعات، ولا تخضع لنظام الاعتماد الأكاديمي الذي يحكم مؤسسات التعليم العالي، كما لا توجد معايير موحدة تحدد ما ينبغي أن يقدمه برنامج السنة الفاصلة.
وتأتي جاذبية هذه البرامج في وقت تتراجع فيه ثقة الأميركيين بالتعليم العالي. ووفق استطلاع أجرته مؤسسة غالوب ونُشر في يوليو، قال 38% فقط من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو لا بأس بها في التعليم العالي، مقارنة بنحو 60% في عام 2015.
كما أصبحت قيمة الشهادة الجامعية ومدى ارتباطها بسوق العمل من أبرز مصادر القلق، إذ قال نحو 22% من الأميركيين إن الحصول على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات يستحق التكلفة حتى لو تطلب ذلك الاقتراض، بينما يرى قرابة نصف الأميركيين أن الشهادة الجامعية أصبحت أقل أهمية للحصول على وظيفة ذات أجر جيد.
ومن بين الطلاب الذين اختاروا هذا المسار دانيال سوبيل، طالب متخصص في تحليل الأعمال في كلية بوسطن، والذي قال إنه كان يسير في مسار وظيفي تقليدي من دون أن يفهم تماماً سبب اختياره له.
وبدلاً من الاستمرار في إنفاق الأموال على شهادة جامعية قبل أن يعرف ما الذي يريد تحقيقه منها، قرر التعامل مع فترة الانقطاع عن الدراسة باعتبارها فرصة لاكتشاف أهدافه المهنية.
ودفع والداه نحو 15 ألف دولار مقابل فصل دراسي في ماليزيا ضمن برنامج تيلتينغ فيوتشرز، حيث عمل في مجال الحفاظ على البيئة وتخطيط الفعاليات، ثم أخذ إجازة فصل دراسي آخر للتدريب العملي.
ويعتقد سوبيل أن قيمة التعليم الجامعي تزداد عندما تقترن بخبرات عملية، مشيراً إلى أن الطالب يحتاج إلى مصادر إلهام وتجارب خارج المسار الذي أُعد له مسبقاً.
وبينما يظل العائد الأكاديمي والمهني طويل الأمد لسنوات الفجوة محل نقاش، فإن ارتفاع الطلب عليها يكشف عن تحول في نظرة بعض العائلات الميسورة إلى التعليم.
فبالنسبة إلى هذه الأسر، لم تعد الجامعة وحدها كافية، بل أصبحت الخبرة العملية والسفر والتدريب وبناء العلاقات واكتشاف المسار المهني عناصر إضافية تستحق دفع عشرات الآلاف من الدولارات للحصول عليها.
وبذلك تحولت سنة الفجوة من فترة للابتعاد عن الدراسة إلى سوق متنامية تقدم للعائلات الثرية برامج منظمة ومكلفة، على أمل أن تمنح أبناءها بداية أكثر قوة عند العودة إلى التعليم الجامعي أو دخول سوق العمل.
س ع
أضف تعليقاً