حذرت الأمم المتحدة من تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر بفعل الاحترار العالمي، في تطور يهدد بتفاقم مخاطر الفيضانات وتآكل السواحل وتلوث مصادر المياه، ويضع الدول والمجتمعات الساحلية أمام حاجة متزايدة إلى الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ.
وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، نافيد حنيف، خلال عرض تقرير أممي، إن مستوى سطح البحر ارتفع عالميًا بمعدل 4.7 مليمتر سنويًا خلال الفترة بين عامي 2014 و2023، قبل أن يسجل ارتفاعًا قياسيًا بلغ 5.9 مليمتر في عام 2024.
وأضاف حنيف، أن ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو نصف متر خلال القرن الحالي أصبح "محسومًا" إلى حد كبير بفعل الاحترار الذي حدث بالفعل، داعيًا إلى إبقاء ارتفاع درجة حرارة الأرض قريبًا قدر الإمكان من مستوى 1.5 درجة مئوية، بالتزامن مع زيادة التمويل المخصص للتكيف والاستعداد المبكر للمخاطر.
وتشير بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن متوسط مستوى سطح البحر عالميًا بلغ مستوى قياسيًا في عام 2024، فيما تضاعفت وتيرة ارتفاعه تقريبًا منذ بداية سجل الأقمار الصناعية؛ إذ ارتفعت من نحو 2.1 مليمتر سنويًا خلال الفترة 1993-2002 إلى 4.7 مليمتر سنويًا خلال الفترة 2015-2024.
ويعود ارتفاع مستوى البحر بصورة رئيسية إلى عاملين مرتبطين بالاحترار: تمدد مياه المحيطات مع ارتفاع حرارتها، وذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، بينما يمكن لعوامل إقليمية أخرى أن تجعل معدل الارتفاع في بعض المناطق أعلى بكثير من المتوسط العالمي.
ولا يتوزع الخطر بصورة متساوية. فقد أظهرت تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن مناطق في المحيط الهادئ تشهد ارتفاعًا في مستوى البحر أسرع من المتوسط العالمي، ما يزيد الضغوط على الدول الجزرية المنخفضة التي تواجه في الوقت نفسه مخاطر العواصف والفيضانات وتملح المياه الجوفية.
ويعني استمرار ارتفاع مستوى البحر أن الفيضانات الساحلية يمكن أن تصبح أكثر تكرارًا وشدة حتى من دون زيادة كبيرة في قوة العواصف، فيما يؤدي ارتفاع المياه إلى تآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة إلى مصادر المياه العذبة وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والنظم البيئية الساحلية. وتؤكد الأمم المتحدة أن التأثيرات تمتد من الجزر والدول الساحلية إلى المدن الواقعة على مصبات الأنهار والمناطق المنخفضة.
ويحذر العلماء من أن المشكلة لا تتوقف عند ما يحدث اليوم؛ فالمحيطات تستمر في امتصاص الحرارة، كما أن الصفائح الجليدية تستجيب ببطء للاحترار، ما يعني أن ارتفاع مستوى البحر سيستمر لقرون حتى في حال توقف انبعاثات غازات الدفيئة بصورة كبيرة.
وتزداد صعوبة التحدي مع استمرار العالم في الاقتراب من تجاوز هدف اتفاق باريس المتعلق بحصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وقال برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير صدر الأربعاء إن تجاوز هذا المستوى أصبح متوقعًا خلال السنوات المقبلة، محذرًا من أن ارتفاع الحرارة سيزيد الضغوط على الأنهار الجليدية والمدن الساحلية المنخفضة.
ويشير ذلك إلى أن الحد من الانبعاثات وحده لن يكون كافيًا لحماية المجتمعات من جميع آثار تغير المناخ التي باتت واقعة بالفعل، إذ ستحتاج الدول إلى إجراءات تكيف تشمل تحديث البنية التحتية الساحلية، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وحماية مصادر المياه، وإعادة النظر في التخطيط العمراني للمناطق المعرضة للغمر.
ويشدد الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ على أن خيارات التكيف في المدن والمستوطنات الساحلية تشمل مجموعة واسعة من الإجراءات، فيما تزداد أهمية التمويل العام والخاص لسد فجوة الاستثمارات المطلوبة لحماية المناطق الأكثر تعرضًا.
وفي هذا السياق، ترى الأمم المتحدة أن ارتفاع مستوى سطح البحر لم يعد قضية بيئية منفصلة، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي وتنموي وأمني بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على السواحل في السكان والتجارة والنقل والسياحة والغذاء.
وتقول المنظمة الدولية إن سرعة الاستجابة أصبحت عاملًا حاسمًا؛ فكلما تأخر الاستثمار في التكيف، ارتفعت كلفة حماية المدن والبنية التحتية أو نقلها بعيدًا عن المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.
وبينما يمكن لخفض الانبعاثات أن يحد من حجم الارتفاع المستقبلي، فإن جزءًا من التغير أصبح مرتبطًا بالاحترار الذي حدث بالفعل. لذلك تدفع الأمم المتحدة باتجاه مسارين متوازيين: خفض الانبعاثات للحد من المخاطر المستقبلية، وتعزيز القدرة على التكيف مع ارتفاع مستوى البحر الذي بات جزءًا من واقع المناخ العالمي.
*الأمم المتحدة (United Nations)، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)
أضف تعليقاً