حمّلت الحرب مع إيران المستهلكين الأميركيين نحو 100 مليار دولار من تكاليف الطاقة الإضافية منذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير الماضي، في انعكاس مباشر لارتفاع أسعار البنزين والديزل واضطراب أسواق الطاقة العالمية، بحسب بيانات صادرة عن جامعة براون الأميركية، وترجمتها وكالة النبأ.
وأظهرت بيانات "متتبع تكلفة الطاقة لحرب إيران"، الذي طوره مختبر حلول المناخ في كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون، أن التداعيات الاقتصادية للصراع باتت تصل بصورة مباشرة إلى ميزانيات الأسر الأميركية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الوقود.
وبحسب تقرير نشرته منصة "Axios" الأميركية استناداً إلى أحدث بيانات المتتبع، وصلت فاتورة الطاقة الإضافية التي تحملها المستهلكون إلى نحو 100 مليار دولار، فيما تتزايد الكلفة بمعدل يقارب مليون دولار كل دقيقتين.
ويتابع المشروع البحثي بصورة مستمرة الفرق بين أسعار البنزين والديزل المسجلة فعلياً وبين تقدير للأسعار التي كان يمكن أن تسجلها الأسواق في حال عدم اندلاع الحرب، في محاولة لقياس الأثر الاقتصادي المباشر للصراع على المستهلك الأميركي.
ويستخدم الباحثون في إعداد حساباتهم بيانات أسعار الوقود اليومية، إلى جانب بيانات صادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية ومكتب الإحصاء الأميركي، لحساب الاستهلاك والتكاليف على المستوى الوطني وفي كل ولاية.
وكان المشروع قد أظهر في منتصف نيسان/أبريل أن التكلفة الإضافية بلغت نحو 20 مليار دولار، قبل أن تتجاوز 40 مليار دولار بحلول 18 أيار/مايو، ما يعكس التسارع الكبير في حجم الأعباء التي ترتبت على ارتفاع أسعار الطاقة مع استمرار الحرب.
وقال مدير مختبر حلول المناخ في جامعة براون والباحث المتخصص في سياسات الطاقة جيف كولغان إن هذه النفقات تخرج مباشرة من جيوب المستهلكين الأميركيين، مشيراً إلى أن ارتفاع الديزل لا يؤثر فقط في الأشخاص الذين يستخدمون مركبات تعمل بهذا الوقود، وإنما ينتقل أثره إلى الاقتصاد عبر الشحن والخدمات اللوجستية ونقل السلع.
وتشير أحدث التقديرات التي أوردتها وسائل إعلام أميركية اعتماداً على بيانات جامعة براون إلى أن الأسرة الأميركية المتوسطة تحملت أكثر من 760 دولاراً من تكاليف البنزين والديزل الإضافية منذ بدء الحرب.
ويستند هذا الرقم إلى نحو 131 مليون أسرة في الولايات المتحدة، ما يوضح حجم انتقال التداعيات الاقتصادية للصراع من أسواق النفط الدولية إلى الإنفاق اليومي للأميركيين.
وتفاوت حجم التأثير بين الولايات، إذ أظهرت بيانات المتتبع أن تكساس تحملت العبء الأكبر، بنحو 11 مليار دولار من تكاليف البنزين والديزل الإضافية، تلتها كاليفورنيا بنحو ثمانية مليارات دولار، ثم فلوريدا بنحو خمسة مليارات.
ولا تقتصر التداعيات على أسعار البنزين التي يدفعها المستهلك مباشرة عند محطات الوقود، إذ يشكل ارتفاع أسعار الديزل مصدراً إضافياً للضغوط على الاقتصاد الأميركي بسبب اعتماده الواسع في قطاع النقل والشحن.
ويمثل الديزل عنصراً أساسياً في حركة الشاحنات ونقل السلع والمنتجات الزراعية وتشغيل أجزاء من القطاع الصناعي، وهو ما يعنيأن ارتفاع سعره يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار المنتجات التي تصل إلى المستهلك النهائي.
وحذر كولغان من أن تأثير الديزل يمتد إلى الأشخاص الذين لا يستخدمونه مباشرة، نظراً إلى دوره في عمليات الشحن والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يجعل فاتورة الحرب غير مقتصرة على ما يدفعه السائقون في محطات الوقود.
ويأتي ارتفاع الأسعار وسط اضطرابات مستمرة في سوق الطاقة العالمية مرتبطة بالحرب والمخاوف بشأن تدفقات النفط عبر الشرق الأوسط، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لصادرات النفط والغاز في العالم.
وتكتسب التطورات في المضيق أهمية استثنائية بالنسبة للأسواق، نظراً إلى مرور جزء كبير من تجارة النفط العالمية عبره، ما يجعل أي اضطراب في حركة الناقلات أو الإمدادات عاملاً سريع التأثير في أسعار الخام والوقود.
وكانت جامعة براون قد أطلقت متتبع تكلفة الطاقة في نيسان/أبريل بهدف توفير تقديرات محدثة للأعباء المالية التي يتحملها الأميركيون نتيجة ارتفاع أسعار البنزين والديزل منذ بدء الحرب.
ويعتمد النموذج على مقارنة أسعار الوقود الفعلية بــ"مسار افتراضي من دون حرب"، أي تقدير للمستوى الذي كان يمكن أن تسجله الأسعار لو لم يندلع الصراع.
وتستند الأسعار الفعلية المستخدمة في النموذج إلى بيانات أسعار الوقود، فيما يستخدم الباحثون بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ومكتب الإحصاء لتقدير الاستهلاك وعدد الأسر وتوزيع الأعباء بين الولايات.
غير أن الرقم البالغ 100 مليار دولار لا يمثل الإنفاق العسكري الأميركي المباشر على الحرب، بل يقتصر على التكاليف الإضافية المقدرة للبنزين والديزل التي تحملها المستهلكون نتيجة ارتفاع الأسعار مقارنة بالمسار الافتراضي الذي وضعه الباحثون.
وكان كولغان قد أعد في أيار/مايو موجزاً بحثياً بالتعاون بين مشروع "تكاليف الحرب" ومختبر حلول المناخ في جامعة براون، أشار فيه إلى أن التداعيات الاقتصادية للحرب تتجاوز تكاليف الصواريخ والقنابل ونشر القوات والذخائر إلى آثار أوسع على الوقود والغذاء والسلع الاستهلاكية والاقتصاد العالمي.
ووفق ذلك الموجز، كانت تكلفة الوقود الإضافية قد تجاوزت 40 مليار دولار بحلول 18 أيار/مايو، أي أكثر من 300 دولار للأسرة الأميركية الواحدة في ذلك الوقت.
وقارن الباحثون هذا العبء ببرامج إنفاق اتحادية ضخمة، مشيرين إلى أن 40 مليار دولار كانت كافية لتمويل برنامج اتحادي كامل لتحديث وإصلاح أكثر من عشرة آلاف جسر في الولايات المتحدة، كما تجاوزت التكلفة التقديرية لإعادة بناء وتحديث نظام مراقبة الحركة الجوية الأميركي.
ومنذ ذلك الحين، واصلت فاتورة الوقود ارتفاعها مع استمرار الحرب وبقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، لتقترب أحدث التقديرات المنشورة من حاجز 100 مليار دولار.
ويضيف ارتفاع الوقود تحدياً اقتصادياً وسياسياً لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يمكن لأسعار البنزين والديزل أن تنعكس على معدلات التضخم وكلفة النقل وأسعار السلع، فضلاً عن تأثيرها المباشر في القوة الشرائية للأسر.
ودافع ترامب عن سياسته تجاه إيران في مواجهة الانتقادات المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة، معتبراً أن تحمل أسعار أعلى يمثل ثمناً أقل خطورة من السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
في المقابل، تنفي إيران أن يكون برنامجها النووي موجهاً لإنتاج أسلحة نووية، وتقول إن أنشطتها النووية مخصصة للأغراض السلمية.
ومع استمرار الصراع وعدم استقرار تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط، تبقى فاتورة المستهلك الأميركي مرشحة للتغير، إذ يحدث متتبع جامعة براون بياناته بصورة مستمرة وفق أسعار البنزين والديزل الفعلية.
وتظهر الأرقام المتصاعدة منذ نيسان/أبريل أن التكلفة الاقتصادية للحرب لم تعد مقتصرة على الإنفاق العسكري المباشر، بل امتدت إلى أحد أكثر المؤشرات حساسية بالنسبة للأميركيين، وهو ما يدفعونه مقابل الوقود، وما يمكن أن ينتقل من تلك الزيادة لاحقاً إلى تكاليف النقل والسلع والخدمات.
أضف تعليقاً