بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
مرصد الذكاء الاصطناعي

البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي: تسهيل للمعرفة أم تهديد للأصالة؟

مريم حميد الياسري
في قاعات الجامعات وأروقة الدراسات العليا، يتردد سؤال لم يعد مؤجلا: حين يسلم الطالب بحثه، من الذي كتبه فعلا؟ عقله أم أداة ذكية؟ هذا السؤال وحده كفيل بزعزعة الثقة في البحث قبل أن تفحص نتائجه. وللوقوف على حقيقة ما يجري، استطلعنا آراء أكاديميين وطلبة دراسات عليا، فكانت الإجابات متباينة، وإن اجتمعت على أنّ المسألة أعمق من مجرد تقنية.
أزمة ثقة أم أزمة استخدام؟
يرى الدكتور أحمد الجادر، حاصل على الدكتوراه في النظم السياسية، أن الإجابة الأدق هي أنّ الذكاء الاصطناعي "لم يتسبب بالضرورة في أزمة ثقة"، لكنه قد يفاقمها إذا استُخدم بطريقة غير شفافة، أو إذا بات من العسير التمييز بين جهد الطالب الحقيقي والمحتوى الذي تنتجه الأدوات الذكية. ومع ذلك، يقر الجادر بأنّ هذه التقنية وفّرت الوقت والجهد على الطلبة والأساتذة معًا، متوقعًا أن يشهد المجال تطورًا كبيرًا قد يمنح الطلبة حرية أوسع دون عناء.
"صدمة" في مجال التعلم
في المقابل، يتبنى البروفيسور صالح صاحب كاظم الجبوري، المختص في العلوم النفسية والتربوية، موقفا أكثر تحفظًا. فهو يرى أن الغاية الأساسية من هذه التقنية تجارية وصناعية، أما في التعليم، وخصوصا العالي والدراسات العليا، ففيها "حرج" للأستاذ والطالب على حد سواء. ويوضح أنّ الطالب في جوهره منقِب وباحث عن المعلومة، فإن قُدّمت إليه جاهزة، وقد تكون صادقة أو غير صادقة، عدّ ذلك "صدمة" في مجال التعلم والتعليم، وفقدت المعلومة أصالتها.
بين الاتهام والدفاع
على الضفة الأخرى، تحدثت طالبتان وطالب من الدراسات العليا بصراحة عن تجربتهم.
هاجر حسين، طالبة دراسات عليا، تؤكد أنّ الذكاء الاصطناعي أحدث "هزة واضحة" في العلاقة الأكاديمية، وخلق فجوة أو أزمة ثقة نسبية بين بعض الأساتذة والطلبة، نتيجة المخاوف المستمرة من الاعتماد الكلي عليه في إعداد البحوث والواجبات دون جهد حقيقي. وتقول إنها كثيرًا ما تواجه هذه التساؤلات والاتهامات بصفتها باحثة، مع أنها متمسكة بالأمانة العلمية وصرامة المنهجية. وتؤمن بأن هذه التقنيات أدوات ذكية مساعدة لتنظيم الأفكار وتوسيع آفاق البحث، وليست بديلًا عن العقل البشري والجهد الذاتي. وموقفها، كما تصفه، "قاطع": الذكاء الاصطناعي مرشد ومساعد تقني فحسب، مع الحفاظ على البصمة الشخصية والأصالة الفكرية المطلقة في صياغة كل عمل أكاديمي.
أما صادق هاشم، استاذ متخصص في الدراسات الدولية، فيقول: "برأيي المتواضع" إن الذكاء الاصطناعي خلق فعلًا أزمة ثقة كبيرة بين الأستاذ وجهد الباحث. ويضرب مثالًا بسيطًا: لو طرح طالب تساؤلًا على تطبيق "GPT"، لسرد له التطبيق معلومات كاملة ومنظمة ووافية تغطي الموضوع كله، فيعمد الطالب إلى نسخها ولصقها في ورقته البحثية. ويصف هاشم هذه المادة بـ"المعلومات الجاهزة"، مشيرًا إلى أنّ الأمر بلغ حدّ إنتاج ورقة بحثية كاملة بتصميم أكاديمي، دون أن يجتهد الطالب أو يسعى إلى المعلومة.
لكنه يستدرك أنّ لهذه الأدوات جانبًا إيجابيًا لا يُنكر، إذ سهّلت الوصول إلى المصادر والمراجع التي يحتاجها الباحث، من كتب وبحوث وغيرها، وتبقى مهمة الطالب أن يطّلع عليها ويأخذ منها ما يلزمه، وهذه، بحسب قوله، "جنبة حسنة" في البحث العلمي. ويقترح لمعالجة الأزمة أن يتولى المتخصصون فحص البحوث بأدوات رقمية مخصصة، كفحص الاستلال المأخوذ من الذكاء الاصطناعي وغيره من الأدوات الحديثة التي تحدّ من الظاهرة.
وتقدّم شهد الرواي، رئيس مهندسين وطالبة دراسات عليا، قراءة أكثر انفتاحًا. فهي تعترف بوجود فجوة متزايدة وأزمة ثقة بين الأكاديميين والطلبة بسبب التخوف من سوء استخدام التقنية، لكنها ترى بصفتها طالبة وباحثة أنّ الذكاء الاصطناعي "ليس تهديدًا للتعليم"، بل تحوّل رقمي طبيعي يحاكي المستقبل. وتقول إنّها لم تُوجَّه إليها أي تهمة باستخدام غير مشروع، لأنها تتعامل مع هذه الأدوات بشفافية ووعي عاليين. وموقفها داعم بقوة لاستثماره شريكًا فكريًا ووسيلة تقدمية لتطوير مهارات البحث والتحليل وتجاوز الأساليب التقليدية المستهلكة للوقت، شريطة أن يرافقه حسّ بمسؤولية الأمانة العلمية، وأن تبقى قيادة الفكرة والأصالة بيد الطالب نفسه.
ما وراء التقنية
تكشف هذه الآراء أنّ أزمة الثقة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بقدر ما تتعلق بمعنى الجهد العلمي وقيمة الإنجاز الفردي. فحين يصعب معرفة ما أنجزه الطالب بعقله وما أنتجته الأدوات نيابةً عنه، تتراجع الثقة في البحث قبل أن تُفحص نتائجه.
غير أن مواجهة هذه الأزمة، كما يتبين من مجمل الشهادات، لا تكون برفض التطور أو إطلاق الاتهامات، وإنما ببناء منظومة أكاديمية واضحة توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية النزاهة العلمية. فالتحدي الحقيقي أمام الجامعات اليوم ليس منع الذكاء الاصطناعي من دخول قاعاتها، بل ضمان ألا يخرج منها الباحث من دون أن يتعلم كيف يفكر، ويحلل، ويناقش، ويقدّم معرفة تحمل بصمته الفكرية الخاصة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً