بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية الرياضة منوعات الوسائط الرأي والتحليل
الاقتصاد والتنمية

العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار جديد.. هل تتجه أوروبا إلى فك الارتباط التدريجي مع واشنطن؟

تشهد الساحة الدولية اليوم تموجات سياسية متسارعة تفرض تساؤلات غير مسبوقة حول مدى صلابة هذا التحالف التاريخي، وقدرته على الصمود أمام التحولات العميقة التي تعيد صياغة المشهد السياسي العالمي.

في قلب هذا المشهد، تبرز استراتيجيات القيادة الأميركية وحساباتها السياسية كعامل دفع يُعيد اختبار الثقة المتبادلة مع القارة العجوز؛ فبين السعي الأميركي لإعادة هيكلة النفوذ والتحالفات، وبين تمسك الدول الأوروبية بسيادتها واستقلال قرارها، يتصاعد تباين صامت لكنه مؤثر في قراءة التحديات الراهنة وتحديد الأولويات القصوى للمرحلة المقبلة.

يدفع هذا المشهد المعقد القادة الأوروبيين وصناع القرار إلى مراجعة حساباتهم التقليدية بهدوء وعمق، والبحث عن صيغ بديلة تضمن مصالحهم الاستراتيجية بمعزل عن تقلبات السياسة الداخلية للبيت الأبيض.

في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن ما يوليه ترامب من أهمية كبيرة لأوروبا؛ فقد أكدت استراتيجية الأمن القومي لإدارته أن "أوروبا لا تزال ذات أهمية استراتيجية وثقافية حيوية للولايات المتحدة". لكنها عبرت أيضاً عن قلقها من أن القارة الأوروبية تسير على طريق "محو الحضارة"، بالإشارة إلى الهجرة الجماعية و"قمع المعارضة السياسية" وانخفاض معدلات المواليد.

اقترحت منظمة الأمن القومي الأميركية أن تتدخل الولايات المتحدة من خلال "تعزيز المقاومة للمسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية". وكانت الاستراتيجية الرئيسية هي التحالف مع "الأحزاب الأوروبية الوطنية".

مرّت سبعة أشهر تقريباً على نشر هذه الوثيقة المهمة، لكن أجندة "أميركا العظيمة" لأوروبا بدأت تنهار؛ فالأحزاب والسياسيون الأوروبيون الذين يعتبرهم أنصار دونالد ترامب "وطنيين" يفقدون نفوذهم أو ينأون بأنفسهم بسرعة عن الرئيس الأميركي.

وينبه التقرير إلى أن رحيل أوربان، بطل حركة ماغا والمتحدث الدائم في مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) الموالي لترامب، كان ضربة قوية.

في سياق آخر، كانت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، تُعتبر قريبة أيديولوجياً من إدارة ترامب. لكن ميلوني تدرك أيضاً أن بلدها استفاد بشكل كبير من مساعدات الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار بعد جائحة كوفيد-19، حيث تلقت ما يقرب من 200 مليار يورو على شكل منح وقروض.

أثار استياء ترامب من تردد إيطاليا في مساعدة الولايات المتحدة في حربها مع إيران، ما دفعه إلى توجيه إهانات بالغة إلى ميلوني. وقد ردّت عليه بقوة . ربما توحي خبرة ترامب الطويلة في أميركا بأنه يستطيع إهانة خصومه السياسيين والتقليل من شأنهم  وسيعودون إليه زاحفين. لكن من غير المرجح أن يتكرر هذا النمط مع زعيم سياسي يُحاسب أمام الناخبين الإيطاليين، لا أمام الجمهوريين المؤيدين لترامب، وفق التقرير.

ويشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أنه:

في حين يسعى صناع السياسات في جميع أنحاء أوروبا علنًا إلى استرضاء رئيس أميركي انتقامي، فإنهم يعملون بهدوء على تقليص اعتمادهم المستمر منذ عقود على الولايات المتحدة؛ وذلك عبر تعزيز صناعاتهم الدفاعية ومجالات الطاقة والتكنولوجيا لديهم، وتنويع علاقاتهم مع دول أخرى.

قد تجلت هذه الديناميكية بوضوح الأسبوع الماضي في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة بتركيا، حيث جدد الرئيس ترامب تهديداته ضد حليفتي الولايات المتحدة: الدنمارك وإسبانيا.

لا يقتصر هذا التراجع والابتعاد عن الولايات المتحدة على أوروبا وحدها؛ فقادة شركاء أميركا في آسيا والشرق الأوسط يفعلون الشيء نفسه بهدوء.

لقد أدت الإدارة الثانية لترامب ـ إلى ولادة مرحلة جديدة في الشؤون الدولية: استراتيجية كبرى شبه عالمية تتبناها الدول للنأي بنفسها والابتعاد عن الأمة الأكثر نفوذًا في العالم.

أوروبا تضخ مليارات الدولارات للاستقلال عسكريا عن أميركا

بالنسبة للولايات المتحدة، التي أطلقت على نفسها طيلة عقود وصف "الأمة التي لا غنى عنها"، يمثل هذا تحولاً جذريًا. فلطالما سعت الدول إلى الاحتماء بالمظلة العسكرية الأميركية القوية، والوصول إلى أسواقها وتكنولوجيتها، وهو ما عاد بدوره بالنفع الكبير على اقتصادنا وأمننا القومي.

أما الآن، وفي ظل المنافسة الشرسة من جانب الصين، فإن تآكل هذه الشراكات الرئيسية يقوض تفوقنا العسكري وتكنولوجياتنا الرائدة عالميًا، ويحد من قدرتنا على الاستجابة للمزايا الصناعية التي تتمتع بها الصين.

تحول شامل أم إعادة تموضع؟ ما مصير علاقات أميركا وأوروبا؟

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تواجه تحديات متزايدة في تنفيذ رؤيتها تجاه أوروبا، بعدما اصطدمت رهاناتها السياسية والأمنية بواقع أوروبي أكثر تعقيداً وتبايناً مما كان متوقعاً.

الرهان الأميركي على تشكيل جبهة أوروبية متجانسة تقودها الأحزاب اليمينية الشعبوية لم يحقق النتائج المرجوة، في ظل تصاعد الهواجس الأمنية واتساع التباينات الاقتصادية والسياسية بين الدول الأوروبية.

المزاج الشعبي الأوروبي بات أكثر تحفظاً تجاه سياسات ترامب، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي في بريطانيا التي أظهرت تراجع نسبة التأييد له، بما يعكس فجوة متزايدة بين الرؤية الأميركية والرأي العام الأوروبي.

ويشير إلى أن التناقضات ظهرت أيضاً لدى بعض الحلفاء المفترضين لواشنطن، وعلى رأسهم الحكومة الإيطالية، التي فضّلت الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستفادة من المساعدات الأوروبية بدلاً من تبني سياسات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، ما يؤكد أن الاعتبارات الوطنية والاقتصادية أصبحت تتقدم على التقارب الأيديولوجي.

ويضيف الخفاجي أن استراتيجية الأمن القومي زادت من حالة القلق داخل العواصم الأوروبية، بعدما أثارت بعض مضامينها تساؤلات بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية داخل حلف شمال الأطلسي، وهو ما دفع عدداً من الدول، من بينها الدنمارك، إلى التحذير من اهتزاز منظومة الأمن الأوروبية التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد أن هذه التطورات لم تؤدِ إلى عزلة الولايات المتحدة بقدر ما دفعت أوروبا إلى تسريع خطواتها نحو تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، سواء في مجالات الدفاع أو الصناعات العسكرية أو صياغة القرار السياسي بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية، وهو تحول قد يعيد رسم توازنات العلاقات عبر الأطلسي خلال السنوات المقبلة.

ويختتم الخفاجي حديثه بالقول إن اتساع الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية قد يخلق مساحة جيوسياسية تستفيد منها روسيا لتعزيز نفوذها في القارة، وهو ما يجعل مشروع ترامب لإعادة تشكيل أوروبا وفق رؤيته الشعبوية يواجه اختباراً صعباً، في ظل واقع أوروبي يزداد تمسكاً باستقلالية قراره السياسي والأمني مع كل أزمة جديدة.

وتستعد أوروبا لمستقبل يقل فيه اعتمادها على الولايات المتحدة بشكل كبير، على حد وصف تقرير لشبكة "إن بي سي نيوز" الأميركية، والذي استدل باجتماع نحو 30 من قادة العالم في فرنسا هذا الأسبوع لدعم الدفاع عن أوكرانيا. فيما لم يُدعَ الرئيس دونالد ترامب، إذ لم يطلب حضور الاجتماع.

وإلى ذلك، يقول خبير العلاقات الدولية والاقتصادية، أبو بكر الديب، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

العلاقات الأميركية الأوروبية تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة، في ظل الخلافات المتزايدة بشأن قضايا الأمن والدفاع والتجارة.

سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسهمت في دفع عدد من الدول الأوروبية إلى تسريع جهودها لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، لا سيما في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية.

النهج القائم على الضغوط التجارية والمطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي لم يحقق النتائج التي كانت تطمح إليها الإدارة الأميركية، بل أدى إلى تنامي الدعوات داخل أوروبا لإعادة تقييم طبيعة الشراكة مع واشنطن، وتعزيز القدرة الأوروبية على اتخاذ قرارات مستقلة.

 ويشير الديب إلى أن التراجع الذي شهدته بعض القوى والأحزاب الأوروبية التي كانت تُصنف على أنها أكثر تقارباً مع أجندة ترامب يعكس تغيراً في المزاج السياسي داخل عدد من الدول الأوروبية، معتبراً أن ذلك قد يقلص هامش النفوذ الأمريكي التقليدي داخل القارة

 ويرى أن التوجه الأوروبي نحو زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية المشتركة يمثل استجابة مباشرة لحالة عدم اليقين بشأن مستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا، وهو ما قد يفضي إلى إعادة صياغة العلاقة بين ضفتي الأطلسي على أسس أكثر توازناً.

 ويوضح أن السياسات الحمائية والخلافات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أسهمت في زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، ودفعت العديد من الدول إلى تنويع شراكاتها التجارية والاقتصادية، في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية.

ويختم الديب حديثه بالقول إن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار التحولات في بنية النظام الدولي، مع تنامي دور القوى الإقليمية وتزايد سعي أوروبا إلى لعب دور أكثر استقلالية، مؤكداً أن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي سيعتمد على قدرة الطرفين على إعادة بناء الثقة والتوصل إلى مقاربة أكثر توازناً للمصالح المشتركة.


س ع

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً